السؤال:
أنشدَ الخالدِيَّان رحمهما الله (تُوفِّيا بعد 370هـ) في حماستهما «الأشباه والنظائر» أبياتًا للفرزدق، وللبحتريِّ ولابن السُّلَيْك في معنًى واحد. ثم قالا بعد أبيات ابنِ السُّلَيْك: «في ألفاظِ هذا الشعر بعضُ التَّخَلُّف، وإنما كتَبْناه لما فيه من المعنى الذي قدَّمْنا ذكرَهُ ولأنَّ هذا المعنى قليلٌ في الشِّعر جِدًّا». فسُئِلتُ عن معنى التَّخَلُّف هنا.
الجواب:
ظهر لي فيه -والله أعلم-، ثلاثة أوجُه.
الأول: أنهما لم يريدا بالتخلُّف خُصوصَ ما جاء في قصيدة ابنِ السُّلَيك، بل أرادا بـ«هذا الشعر» جميع هذه النظائر. فدَعْني أبيِّنْ ما المعنى الذي أراداه من سَوْقهما هذا الشعر، ثم أذكُر معنى التخلُّف.
قال الله عز وجل: .
فالعَرَبُ -في الجُملة- كانت تكرهُ البناتِ، وتحتقِرُ النِّساءَ، وتَتَبرَّمُ من الأخَواتِ. وسببُ ذلك أنهم كانوا يعتبرونَهُنَّ عِرْضًا لهم، فهم يخافون عليهنَّ من السِّباء إذا أُغِير عليهم، فيعودَ بذلك عليهمُ العَارُ، أو يَخْشَوْنَ أن يطمعَ فيهنَّ غيرُ الأكفاء، أو أن يُهَنَّ بعدهم، أو يكون سببُ ذلك حَمِيَّةً، لأنَّ المرأةَ لا تخرُج فتنازل الأعداءَ وتبارِزُ الأقران، ولا تشهَدُ ناديَ القوم، ولا تشاركُ الرِّجالَ في حَلِّ مُعْضِلات الأمور ورَأْبِ الثَّأَىٰ، ونَحْو ذلك مما يضطَلِع به الرجال. ثم هُنَّ -إلى ذلك- يُحْوِجْنَ الرجالَ إلى الذَّبِّ عنهنَّ وحمايتهنَّ والسَّعْيِ في ما يُرِدْنه، فكانوا يرونهنَّ عِبئًا وثِقلًا.
وفي ذلك قال الفرزدق:
| وأَهْوَنُ مفقودٍ إذا الموتُ غالَهُ | على المَرْءِ من أخدانه: مَن تقنَّعا |
| وأيسَرُ رُزْءٍ لامْرئٍ غيرِ عاجزٍ: | رَزِيَّةُ مُرْتَجِّ الروادفِ أَفْرَعَا |
| تُهَزُّ السُّيوفُ المَشْرَفِيَّاتُ دُونَه | حِذارًا عليه أن يَذِلَّ ويَفْزَعا |
| ولا يَشْهَدُ الهَيْجا، ولا يحضُر الندى | ولا يَصْبَحُ الشَّرْبَ المُدامَ الْمُشَعْشَعا |
| بَلَىٰ يَلِدُ النائي الشَّطِيرَ مَحَلُّهُ | ويُورِثُه المالَ التليدَ المُمَنَّعا! |
قولُه: (وأهون رزء.. إلخ): يعني أنَّ أهون من يأتي عليه الموت: النساء، قال ذلك لغلظته وجفاءه. وقولُه: (غير عاجز): الجلد القوي، فكانوا يرون أنَّ مِن الجَلادة تركَ التحبُّبِ إلى النِّساء، وعَدَمَ مُبالاتهنَّ بالا.
وفي هذا المعنى قال البحتري:
| أَتُبَكِّي مَن لا يُنازِلُ بِالرُّمْـ | ـحِ مُشِيحًا ولا يَهُزُّ اللِّوَاءَا |
| قد ولَدْنَ الأعداء قِدْمًا وورَّثْـ | ـنَ التِّلَادَ الأَقاصِيَ البُعَداءَا |
| ولَعَمْرِي ما العَجْزُ عنديَ إِلَّا | أن تظلَّ الرِّجالُ تَبْكي النِّساءا! |
وقال آخر:
| إذا ما المرءُ شَبَّ لَهُ بَناتٌ | عصَبْنَ برأسِه عَنَتًا وعارا |
وقال غيره:
| جُعِلْتُ فِداكَ مِن النائباتِ | ومُتِّعْتَ -ما عِشتَ- بالطيبات |
| سُرورَانِ مَا لهُما ثَالِثٌ | حَياةُ البنينِ ومَوْتُ البَناتِ |
| وأصدقُ مِن ذَيْنِ قولُ الحكيمِ: | دَفْنُ البَنَاتِ مِن المَكْرُمَاتِ |
فلأَجْل هذا كانُوا يُحِبُّون لهنَّ الموت، وكانوا يَئدونهنَّ، ليُسْقِط بذلك الوائِدُ عن كاهله الخوفَ والقَلَق والجَزَع من هذه البنت وما قد تَجُرُّه عليه من العار! وكانوا إذا وُلِد لأحدِهم بِنتٌ قالوا له: أمَّنكمُ اللهُ عارَها، وكفاكم مُؤْنتها، وصاهرتُم قبرهَا!
ولمَّا خُطِبَتْ إلى عَقِيل بن عُلَّفَة المُرِّيِّ ابنتُه الجَرْباءُ قال:
| إِنِّي وإن سِيْقَ إِليَّ الْمَهْرُ |
| أَلْفٌ وعَبْدَانِ وَذَوْدٌ عَشْرُ |
| أَحَبُّ أصهارِي إليَّ القَبْرُ! |
وقال آخَرُ:
| سمَّيْتُها -إذْ وُلِدَتْ-: تَمُوتُ |
| والقَبْرُ صِهْرٌ ضامِزٌ زِمِّيْتُ |
| ليسَ لِمَنْ حَلَّ بِهِ تَرْبِيتُ |
و(الضامز): الساكت، و(الزِّمِّيْت): مثله، و(التَّرْبِيت): التربية.
وقال عبدُ الله بن طاهر:
| لِكُلِّ أبي بِنْتٍ يُراعي شؤونَها | ثلاثةُ أصهارٍ إذا حُمِدَ الصِّهْرُ |
| فَبَعْلٌ يُراعِيها، وخِدْرٌ يُكِنُّها | وقبرٌ يُوارِيْها، وخيرهمُ القَبْرُ |
وقال آخَرُ في ابنةٍ لهُ اسمُها "مَوَدَّة":
| مَوَدَّةٌ تَهْوى عُمْرَ شيخٍ يَسُرُّهُ | لها الموتُ قبلَ الليلِ، لو أنها تدري! |
| يخافُ عليها جَفْوَةَ الناس بعده | ولا خَتَنٌ يُرجَىٰ أَوَدُّ من القَبْرِ |
وقال ابنُ يَسِير:
| لولا البُنَيَّةُ لم أجزَعْ مِن العَدَمِ | ولم أَجُبْ في الليالي حِنْدِسَ الظُّلَمِ |
| وزادَني رغبةً في العيشِ معرفتي | ذُلَّ اليتيمةِ يجفوها ذوو الرَّحِمِ |
| أخشى فظاظةَ عَمٍّ أو جفاءَ أخٍ | وكنتُ أخشى عليها من أذى الكَلِمِ |
| إذا تذكَّرتُ بنتي حِينَ تندُبني | جَرَتْ لعبرة بنتي عبرتي بِدَم |
| تَهْوَىٰ بقائي، وأهوَىٰ موتَها شفَقًا | والموتُ أَكْرَمُ نَزَّالٍ على الحُرَمِ |
وقال إسحاق بن خلف:
| أمسَتْ أُمَيْمَةُ معمورًا بها الرَّجَمُ | لدىٰ صعيدٍ عليه التَّربُ مُرْتَكِمُ |
| يا شُقَّة النفس إن النفسَ والهةٌ | حَرَّىٰ عليكِ، ودمعُ العين مُنْسَجِمُ |
| قد كنتُ أخشى عليها أن يُؤخِّرَها | عني الحِمَامُ فيُبْدِي وجهَها العَدَمُ |
| فالآنَ نِمتُ فلا هَمٌّ يؤرقني | تَهْدَا العُيونُ إِذا ما أَوْدَتِ الْحُرَمُ |
| للموتِ عندي أيادٍ لستُ أُنكِرُها | أحيا سُرورًا وبي مما أتىٰ أَلَمُ |
(الرَّجَمُ): القبر. و(أودَتِ الحُرم): ماتت حريم الرجل ونساؤه. وقال ابن المعتز (ت ٢٩٦ هـ) عن هذه القطعة: (وهذه ألفاظٌ -كما سمعتَ- في عُذوبة الماء الزلال، ومعانٍ أَرَقُّ من السحر الحلال!).
وقال آخر:
| أُحِبُّ بُنَيَّتِي وَوَدِدتُّ أَنِّي | دفنتُ بُنَيَّتِي فِي جَوْفِ لَحْدِ |
| وما لي بُغْضُهَا غَرَضًا، ولكن | مخافةَ مِيتَتِي فتَضِيعَ بَعْدِي |
| مخافةَ أن تصير إلىٰ لئيمٍ | فيفضحَ والدي ويَشِينَ جَدِّي |
| فليتَ اللهَ أكرمَها بقَبْرٍ | وإن كانتْ أَعَزَّ الناس عندي |
| فتُسْتَرَ عَوْرَتي وتكونَ أَجْرًا | إِذا قدَّمتُها وكَتَمْتُ وَجْدِي |
| وتُتْبَعَ بعد ذاكَ بِأُمِّ صِدْقٍ | فَتُؤْنِسَ بِنتَهَا وَأَعِيشَ وَحْدِي! |
وقال أبو خالد القَنانِيُّ الخارِجيُّ:
| لقد زادَ الحياة إليَّ حُبًّا | بناتي، إنهنَّ من الضِّعافِ |
| أُحاذِرُ أن يَرَيْنَ الفقرَ بَعْدِي | وأَن يَشْرَبْنَ رَنْقًا بَعْدَ صافي |
| وأن يَعْرَيْنَ إِن كَسِيَ الجواري | فتنبو العين عن كَرَمٍ عِجَافِ |
| وأن يضطرَّهُنَّ الدهرُ بَعْدِي | إلى عِلْجٍ غليظِ القلب جاف |
| ولولا ذاك قد سَوَّمْتُ مُهْرِي | وفي الرحمَـٰن للضُّعَفاء كافي |
| أبانا! مَن لنا إن غبتَ عَنَّا؟ | وصارَ الحَيُّ بعدَك في اخْتِلافِ |
وكان امرأةُ أبي حمزةَ الضَّبِّي لا تلدُ له إلا البناتِ، فطال ذلك به، فهجرها، وصار يبيتُ عند جيرانه، فمرَّ بها يوما وهي تُرَقِّصُ ابنتَه وتقول:
| ما لأبي حمزةَ لا يأتينا؟ |
| يظَلُّ في البيتِ الذي يلِينا |
| غَضْبَانَ أَلَّا نَلِدَ البَنِينا |
| تالله ما ذلك في أيدينا |
| ليس لنا من أمرنا ما شِيْنا |
| وإنما نأخُذ ما أُعْطِينا |
| ونحنُ كالأرض لِزَارِعينا |
| نُنْبِتُ ما قد زرعوه فينا |
فدخلَ وقبَّل رأسَ امرأته وابنته.
وقد سقتُ لك جميعَ ما حضَرني في هذا المعنى، ليتَّضِحَ عندكَ وجهُه، ويزولَ عنك لَبْسُه، وتنكشفَ لك غُرَّتُه. وليس كل ما قيل في هذا المعنى واحدًا، بل منه المذموم، ومنه الحُلْوُ المُسْتَعْذَبُ. وأيضًا ليس كلُّ العرَب كانوا على هذا الحال مع النِّساء، ولكن كانت هذه الحال ظاهرةً في العرب، كثيرةً فيهم.
فالذي كان عند الجميع: هو الخوف من عواقبِ هذه المرأة وما قد تجرُّه عليه من العار. فمِن العرب من كان يذهب به ذلك وسواه إلى بُغْضِها، وإهانتِها، والتحقيرِ منها، وتصغيرِ شأنها، وذَمِّها بإطلاق، كما كان ذلك عند جُفاة البدو وأمثالِهم، وقد يَصِلُ ذلك ببعضهم إلى التَّجَنِّي عليهنَّ ووصفهنَّ جميعًا بالخيانةِ والغَدْر والتَّلَوُّنِ، ونحو ذلك من الشَّناعات. ومن العربِ من كان يذهبُ به ذلك إلى الإشفاقِ عليها، والمبالغة في إكرامها وصَوْنِها، وشِدَّة الحرص على سَتْرها والمحاماة دونها، ونحو ذلك.
فلما جاء الإسلامُ حَمِدَ لهم المذهبَ الثانيَ دون الأول. ولما جاء اللهُ بالإسلامِ رفع من شأن المرأة، ونهى عن ازدرائها وإهانتها، وكرَّمَها وأعلاها، وبيَّن حُقوقَها. فقد روى مسلم في صحيحه من حديث جابر الطويل، أنَّ النبي ﷺ قال: (ألا كُلُّ شيء من أمر الجاهلية موضوع تحت قدمي)، وفيه أنه قال: (فاتقوا الله في النساء). وكان هَدْيُه ﷺ معروفًا في إكرامه أهلَه، وتَحَبُّبِه إلى نسائه. وعند الترمذي من حديث عُروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي).
وقد استقرَّ هذا في نفوس الصحابة -رضوان الله عليهم- فتركوا ما كانوا عليه في تَعامُلِهم مع النساء إلى ما جاء به الشرعُ المُطهَّر، ولكنْ بقيَ بعضُ ذلك في تَعامُلِ البَدْو، فكان من ذلك أبياتُ الفرزدقِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُنَاها. ومن عجَبٍ أنَّ الفرزدقَ هو الذي افتخر بجَدِّه صَعْصَعَةَ بن ناجية الذي كان يُحْيِي الوئيد، فقال: (مِنَّا الذي منع الوائِدات * فأحيا الوئيد فلم تُوأَدِ) وقال: (ومنا الذي أحيا الوئيدَ، وغالبٌ * وعَمْرٌ، ومنا حاجبٌ والأقارع). وأحسب أنَّ الفرزدق لولا الإسلام لوأدَ بناته :).
فظهرَ بما قدَّمْناه -إن شاء الله- أنَّ مُرادَ الخالِديَّيْن بالتخلُّف، هو معنى هذه الأبيات التي ساقُوها، أبياتِ ابنِ السُّلَيْك والأبياتِ التي قبلَهُ في معناه مما ساقوه في موضعه. وتخلُّفُها: ما فيها من التحقير من النساء، والإقذاعِ في سَبِّهِنَّ، ونحوِ ذلك من قلَّة المروءة. وقد يُشكل على ذلك أنهما قالا: (في ألفاظ هذا الشعر بعض التخلف)، فخصَّا الألفاظ، والجوابُ عليه: أنَّ اللفظ هو الذي يُؤدَّى به المعنى، فلا غضاضة في إطلاق أحدهما مرادا به الآخَرُ. ثمَّ إِنَّ الإقذاع قد حصل في الألفاظ، فلذاك وصفاها بالتخَلُّف. والعلمُ عند الله عز وجل.
هذا وجهٌ.
والوجْه الثاني: أنهما أرادا خصوص أبياتِ ابنِ السُّلَيك، وأرادا بالتخلُّف: ما فيها من التعدِّي في الدُّعاء على تلك المرأة، وتمنِّي الشَّرِّ لها ونحو ذلك. وهذا قريبٌ من الوجه الأول.
والوجه الثالث: أنهما أرادا خصوص أبياتِ ابنِ السُّلَيك، وأرادا بالتخلُّف: نقدَ هذه الأبيات في تركيبها وبلاغتها وبيانها، وهذا الوجْه صعبٌ إثباتُه، وفيه كلامٌ طويل. وأَظْهَرُ الأَوْجُه عندي الأوَّل.
والله تعالى أعلم.
التعليقات
كلمة عن خَصوصِيَّة (١) مستخدِم التعليقات:
جعلتُ نظام التعليقات مفتوحًا، بدون اسمٍ ولا تسجيل، ولكن لئلَّا ينتحلَ مُعلِّقٌ أسامِيَ عديدة، أو يضغط الإعجاب على تعليقٍ واحد عشَرات المرَّات، أعدَدتُّ نِظامَ أَمانٍ يسيرًا:
إذا زُرتَ الصفحة واستخدمْتَ نظام التعليقات، فإن الصفحة تجمَعُ معلوماتٍ تقنيةٍ يسيرة، عن مُتصفِّحك وجهازك، لتنشئَ لك بصمةً خاصَّةً، ومُعرِّفًا فريدًا، يتذكَّرُ إعجاباتِك، وتعليقاتِك. لا تُجمَع هذه المعلومات إلا لهذا الغرَض فحسْب. فاطْمئنَّ :)
(١): الخَصُوصِيَّة -بفتح الخاء-: ما يخصُّ المرء من مُختلِف شُؤونِه. وفتح الخاء فيها أفصح، نصَّ عليه أبو يُوسُف ابنُ السِّكِّيت (ت244هـ) في «إصلاح المنطِق»، والإمام أبو العَبَّاس ثَعْلَب (ت291هـ) في «الفصيح».