السابقة

ما الذي حبَّب إليك العربية، ولمَ لستَ متخصِّصًا فيها؟

شارك
نسْخ النص

السؤال:

ما الذي حبَّب إليك العربية، ورغَّبك في الغوص على دُرَرِها، والبحث عن كنوزها، ولمَ لستَ متخصِّصًا فيها؟


الجواب:

اقتادَني الهوى إليها، كنتُ غِرًّا صغيرًا لا أحسن شيئًا من العِلم، وقد علَّمتْني أمي القراءة والكتابة قبل أن أدخل المدرسة، فما دخَلتُ المدرسة إلا وأنا فوقَ أصحابي ضبطًا ونطقًا، ولاحظَت المدرسة ذلك فكانوا يُدخِلونني في مسابقاتٍ في القراءة فكنت أُبِرُّأَفْضُل وأعلو على كل من في المدرسة في ذلك، وساعدَني عليه أنني بدأتُ بحفظ القرآن صغيرًا ففتقَ لساني وأقامَ نطقي. وكنتُ لا أقرأ شيئًا إلا ما قُرِّر علينا في المدرسة، لمَيْلي إلى اللَّهْو. وفي المُتوسِّط جاءنا أستاذٌ في مُقرَّر اللغة -وصلَه اللهُ وبَرَّه وجزاه عني خيرًا- لم أرَ ممن درَّسني أعلمَ منه ولا أفصحَ، فكان يتمثَّلُ بالشعر أثناء الحصة إذا عرَض موقفٌ أو نحو ذلك، ويُعرِب لنا الأبيات، ويُسهِب في شرحِها، وذِكْر الأخبار المتعلقة بها، فانبَهرتُ منه، وكان حَفِيًّا بي، لأنه لم يجد في الفصل أضبطَ قراءةً ولا أسلمَ نطقًا مني.

فكنت أريد أن أقف على مثل هذه الأخبار التي يرويها لنا، ولم يكن في مكتبتنا من كتب الأدَب إلا كتابُ «الكامل» لأبي العباس المُبرَّد (٢٨٥ه‍) رحمه الله، فأخَذْتُ أقرأ فيه -وكانت طبعته سقيمةً-، فلم أفهم جُلَّه، وصَعُبَت عليَّ قراءتُه، وعلمتُ مِقدارَ جهلي وقلة علمي، فأقبَلتُ على تعلُّم النحْو، وسِرتُ على الطريق، والحمد لله، نسأل الله حُسن توفيقه.

أما سبَبُ عدَمِ تخصُّصي فيها، فلأنني قرأتُ في كتب التراجم والسِّيَر، فانذهَلتُ من سَعَة العِلم، وترامي أطرافه، وأحبَبتُ الفُقهاء ومسائلَهم وضوابطهم. وأجْلَلْتُ المُحدِّثين ورَحَلَاتِهم في الطلَب ومعرفتهم بالعِلَل والطُّرُق وحفظهم الواسع، واستحضارهم العجيب. وأكبَرتُ علماء القراءات وإفناءَهم أوقاتَهم في الإقراء وتحقيق المخارج، ودقَّتَهم في ضبْط كلام الله عز وجل. وعَجِبتُ من علماء الأصول وغَوْصهم على دقائق المعاني وإلزامِ الخُصوم ونحو ذلك.

وصِرتُ كما قال الإمام أبو محمد ابن قُتيبة الدِّينَوري (٢٧٦ه‍) رحمه الله: «وقد كنتُ في عُنفُوان الشَّباب، وتطَلُّب الآداب، أُحِبُّ أن أتعلَّق من كل علمٍ بسبَب وأن أضربَ فيه بسَهْمٍ». وتفرَّق قلبي بين هذه العلوم، فمَن كلَّفني أن أقتصر على النظر في علمٍ واحد قلتُ له:

يُكلِّفُني جَمْعًا لقَلْبٍ مُفرَّقٍويأبَى اجْتِماعًا قلبُك المُتفَرِّقُ
فمنهُ فريقٌ بالحَرام، وبَعضُهبِوَجٍّ، وبَعضٌ بالمدينةِ مُوْثَقُ!

ولكنْ بقيَتْ علومُ اللغة أحبَّ كل ذلك إلى قلبي، لسببين، الأول: أنها:

أتانِي هواها قبلَ أن أَعْرِفَ الهَوَىٰفصادفَ قَلْبًا خاليًا فتمَكَّنا!

والثاني: أن اللغة مِفتاح العُلوم، وهي العِلم المُستطيل، ومن نظر فيها سَهُل عليه النظَرُ في بقية العلوم، ومن تمكَّن منها عَلا كعبُه، وعَذُب كلامُه، وأحسَن التَّجْلية عمَّا يحوك في قلبه من المعاني. فأنا أتخذها سُلَّمًا وآلةً للوصول إلى ما أرومه.

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات...
نُسِخ النَّصُّ!