بسم الله الرحمن الرحيم
سألتَني -نوَّلَك اللهُ بُغْيَتك- عن شيءٍ أقترِحُه لك لفَهْم الشعر ونَظْمه.
فأقولُ: لا بُدَّ للطَّالِبِ فَهْمَ الشعر أن يأخُذَ من النحو ما يرفعُه عن طبقة المبتدئين ويدخُل به في جملة المتوسِّطين، لأنَّ شعر العرب لا كما تراه في (أكلَ زيدٌ التفاحةَ) بل فيه بعضُ التعقيد والتقديمِ والتأخيرِ، إلى غير ذلك مما تُوجِبه صنعةُ الشعر من التعقيد اللفظي، فلا يكفيه مستوى المبتدئين في النحو. وقد قالَ الإمامُ أبو العباس ثَعْلَب (۲۹۱ هـ) رحمه الله: (لا يَصِحُّ الشِّعْرُ ولا الغريبُ ولا القرآنُ إلا بالنَّحو، النحوُ مِيزان هذا كلِّه). وبعدُ: فإني أرى لك أن تقرأ في (الإناسة) للشيخ عُثمان العمودي، و(قلادة الأديب) وشرحها. فهما نافعانِ جدا، واختياراتُهما في ذِرْوَةِ الجَودة، وسَنام العُلُوِّ. ثم بعد ذلك لك أن تَنشُرَ رِكابَك في كتُب الأدب، كالكامل للمبرِّد، وأمالي القالي، فتحفظَ مِن أشعار هذه الكتب ما يروقُك ويَخِفُّ لك. ثم أحسِبُ أنك بعد ذلك ستعرِفُ بقيةَ الطريقِ وحدَك!
ولا مَناصَ لك -إن أردتَّ تَسَنُّمَ غاربِ البيان، والبَصَرَ بمعاني الشِّعر- أن تتلمَّس في نفسك ما تراها مُقصِّرةً فيه، غيرَ آخذةٍ بحظِّها منه، فتُنَمِّيَهُ في نفسِك وتزيدَه. فإن رأيتَ مِن نفسِك -مثلًا- تقصيرًا في جانب معرفةِ ألفاظ اللغة فخُذ مُعجمًا صغيرًا مِن مُعجَمات المعاني وأَدِمِ النظرَ فيه، أو إن رأيتَ أنك ضعيفٌ في ناحية الصرف -مثلًا- فخُذْ متنًا صغيرًا في الصَّرْف واستشْرِحْهُ، كـ(الصرف الصغير) للشيخ العُيوني، وهكذا. فلن يزالَ بك ذلك حتى ترى نفسَك قد اكتملَتْ أَدَاتُها ونهضَتْ في كثيرٍ من الجوانب. واعلمْ أنك إن داومتَ على هذه الطريقِ فلن تلبثَ أن تَتَّضِحَ في نفسِك مَعالِمُها وتَسْتَبِينَ مَنَائِرُها، وستعلمُ مِن نفسك ما هي مائلةٌ إليه فتميل معها. واتَّخذ لنفسِك صاحبًا في هذا السبيلِ، تُناشِدُه الأشعارَ، وتُطارِحُه الأخبارَ، وتُبَاحِثُه في معاني الشعراء، ونحو ذلك. فإن هذا أَبْلَغُ مُعِين. ولا تُغْفِلْ كذلك سؤالَ أهلِ العلم بهذا الشأن عما يُشْكِلُ عليك.
أما نَظْمُ الشعر، فإني كنتُ قد سُئِلْتُ عن ذلك من قبل، فسأنقل لك جوابي الأول:
(سَأُلَخِّصُ لك مما طالعتُه من كتُب نقدِ الشعر، وغيرِها من الكتب، لُمَعًا تُعينُك -بإذنِ الله- على نَظْم الشِّعْر.
الشعر: هو الكلامُ البليغُ المَبْنيُّ على الاستعارة، والأوصافِ، بأجْزاءٍ مُتَّفقةٍ في الوَزْن والرَّوِيِّ، مُسْتَقِلٍّ كلُّ جزءٍ منها في غرَضه ومقصَده عما قبلَهُ وبعده، الجاري على أساليبِ العَرَبِ المخصوصةِ به. والشاعرُ: هو مَن غلبت مَلَكَتُه في الشعر على جميع مَلَكاته.
واعلمْ أن لعمَل الشعرِ وإحكام صناعته شُروطًا، أوَّلُها:
الحِفظُ مِن جنسِه، حتى تنشأَ في النفس ملَكةٌ ينسِج على منوالها، ويتخيَّرُ المحفوظَ من الحُرِّ النَّقِيِّ، الكثيرِ الأساليبِ، وأقلُّ ما يكفي فيه شِعرُ شاعرٍ من الفُحول الإسلاميِّين، كذي الرُّمَّة وجريرٍ، ونحوِهما، وأكثَرُه: شِعرُ كتاب الأغاني. ومن كان خاليًا من المحفوظ، فنَظْمُه قاصرٌ رديءٌ، ولا يُعطيه الرَّوْنَقَ والحلاوةَ إلا كثرةُ المحفوظ، واجتنابُ الشعرِ أَوْلَىٰ بمن لم يكن له محفوظٌ. ثم ينظُر في هذا الذي حَفِظَه، فيُقْبِلُ على تَفَهُّمِ معانيه، ومعرفةِ شريفِه من رديئه، وتَمْيِيز عاليه من وضيعه، ومعرفةِ مقاصِده، والفَصْل بينَ أغراضه. فإذا امتلأَ مِن الحفظ وشَحَذَ القريحةَ للنَّسْج على المِنوال، يبدأُ بقَرْض الشعر ويُكْثِرُ منه لِتَسْتَحْكِمَ مَلَكَتُهُ، وتَرْسَخَ.
ثم ليَنْظُرْ -بعدُ- في كُتُب نقدِ الشعرِ، لِيَجْتَنِبَ ما وقعَ فيه الشُّعراءُ من أخطاء، ولْيَتَعاهَدْ نفسَهُ بالإكثار من القراءة في كل ما وقعَ تحتَ يدِه مِن كُتُب النقد، وكتب المختارات، وغيرها).
وينبغي أن أذكُر هنا أمرًا مُهِمًّا، وهو أن عملَ الشعر منحةٌ إلـٰهيَّةٌ، فرُبَّما حَفِظَ الرجلُ آلافَ الأبيات وبرعَ في النحو وفاقَ في عُلوم العربية كلِّها، ومعَ هذا يُحْرَمُ قولَ الشعر. فهذا الإمامُ المُتَفَنِّنُ أبو عليٍّ النَّحْويُّ الفارسي، كان يحفَظُ من الشعر ما لو حَفِظَ بعضَه أَحَدُنا الآنَ لغدا أروى الناس، وإمامتُه في علوم العربية لا تُنكَرُ، ومع ذلك كان يقول للشعراء من أصحابه: (إنِّي لَأَغْبِطُكم على قولِ الشعر! فإنَّ خاطري لا يُوافِقُني على قوله، مع تَحَقُّقِي بالعلومِ التي هي من مَوادِّه).
وبعدُ: فهذه إشاراتٌ متفرِّقة، ووصايا شَعاعٌ، فيما سألتَني عنه، أرجو أن تنتفعَ بها، وإنِّي لَأُوْصِيك بكتابٍ عظيمٍ مفيدٍ جدًّا لمن رام ما رُمتَه، وهو كتاب (الوسيلة الأدبية إلى علوم العربية) للشيخ حُسَين بن أحمدَ بنِ حُسَين المَرْصَفي (۱۳۰۷ هـ) رحمه الله تعالى. فهذا الكتابُ قد تخرَّج به أحمد شوقي وحافظ إبراهيم! فاستفِدْ منه إن شاء الله. وكذا مقالات الشيخِ المُحقِّق فيصل المنصور، أوصيك بآخرها الذي عنوانه: (مناهج تَعَلُّمِ علوم العربية)، و (مِنهاج الطلَب والنظر والإفادة). فستنتفع منه انتفاعا عظيما إن شاء الله.
والله تعالى أعلم وأحكم.
التعليقات
كلمة عن خَصوصِيَّة (١) مستخدِم التعليقات:
جعلتُ نظام التعليقات مفتوحًا، بدون اسمٍ ولا تسجيل، ولكن لئلَّا ينتحلَ مُعلِّقٌ أسامِيَ عديدة، أو يضغط الإعجاب على تعليقٍ واحد عشَرات المرَّات، أعدَدتُّ نِظامَ أَمانٍ يسيرًا:
إذا زُرتَ الصفحة واستخدمْتَ نظام التعليقات، فإن الصفحة تجمَعُ معلوماتٍ تقنيةٍ يسيرة، عن مُتصفِّحك وجهازك، لتنشئَ لك بصمةً خاصَّةً، ومُعرِّفًا فريدًا، يتذكَّرُ إعجاباتِك، وتعليقاتِك. لا تُجمَع هذه المعلومات إلا لهذا الغرَض فحسْب. فاطْمئنَّ :)
(١): الخَصُوصِيَّة -بفتح الخاء-: ما يخصُّ المرء من مُختلِف شُؤونِه. وفتح الخاء فيها أفصح، نصَّ عليه أبو يُوسُف ابنُ السِّكِّيت (ت244هـ) في «إصلاح المنطِق»، والإمام أبو العَبَّاس ثَعْلَب (ت291هـ) في «الفصيح».