قال عُبَيْد بن أيوب العنبَري التميميُّ رحمه الله:
| ألمَّ خَيالٌ من أُمَيْمَةَ طارقٌ | وقد تَلِيَتْ من آخر الليلِ غُبَّرُ |
| فيا فَرَحًا للمُدلِج الزائر الذي | أتانِيَ في رَيْطاتِه يَتَبَخْتَرُ |
| فثُرتُ -وقلبي مُقْصَدٌ للذي به | وعَيْنِيَ أحيانًا تَجِمُّ فتُغْمَرُ- |
| إلى ناعجٍ أمَّا أعالي عِظامِه | فشُمٌّ، وسُفْلاها على الأرض تَمْهَرُ |
| فقلتُ له قولًا، وحادَثْتُ شَدَّهُ | بأعْوادِ مَيْسٍ، وَشْيُهُنَّ مُحَبَّرُ: |
| «أيا جمَلي! إن أنتَ زُرْتَ بلادَها | برحلي وأجلادي، فأنتَ مُحَرَّرُ!» |
| وهل جملٌ يجتابُ ما حالَ دونَها | من الأرض، أو رِيحٌ تَرُوحُ وتَبْكُرُ؟ |
| وكيف تُرَجِّيها، وقد حالَ دونَها | من الأرض مَخْشِيُّ التنائِف أَغْبَرُ؟ |
| وأنتَ طَرِيدٌ، تَسْتَسِرُّ بقَفْرَةٍ | مِرارًا، وأحيانًا تَصَبُّ فتَظْهَرُ |
| فيا ليتَ شِعري، هل يَعُودَنَّ مَرْبَعٌ | وقَيْظٌ بأكنافِ الظُّلَيْفِ ومَحْضَرُ؟ |
| أقاتِلتي بطَّالةٌ ثُعَلِيَّةٌ، | بأردانها مِسْكٌ ذَكِيٌّ وعنبَرُ! |
انُظر -فديتُك- إلى الانسياب والعُذوبة والسهولة، بحَقٍّ ما كَنَوْه أبا المِطْراب! قولُه: (غُبَّر): هو البقية من الشيء، يعني أن خيالَها طرَقه في آخر الليل. وهذا كثيرٌ في عُرْف الشُّعراء، أن يطرُقَهم خيالُ محبوبيهم في آخر الليل. و(القلب المُقصَد) المصاب المعمود بالحبِّ.
وقوله: (تَجِمُّ فتُغْمَر): أي يجتمع ماؤها فيَغمُر الحدَقة ويُغشِّي الرؤية، ومن أحسن مَن أوضح هذا المعنى أبو حيَّة النُّمَيري في قوله:
نظَرتُ كأني من وراء زجاجةٍ إلى الدار من ماء الصبابة أنظُرُ
فعينايَ طورًا تَغْرَقان من البُكا فأَعْشَىٰ، وطورًا تَحْسِران فأُبصِرُ!
تأمل جمال التشبيه! وقال ذو الرُّمَّة:
وإنسانُ عيني يَحسِرُ الماءُ تارةً فيبدو، وأحيانًا يَجِمُّ فيَغْرَقُ
وقوله: (إلى ناعجٍ) هو الجمَل الحسَن اللون الكريم، السريع الذي يُصاد عليه نِعاج الوحش.
وقوله: (أما أعالي عظامه..) أراد أنه عالٍ مُشرِفٌ طويل، فأعالي عظامه شُمٌّ مرتفعة عن الأرض لِعِظَمِه وطوله، وأما أسافل عظامه فـ(تَمْهَرُ) أي: تسبح، وتأمل جمال تعبيره هنا بالسباحة على الأرض، والسابح لا تمَسُّ رجله القاع، فكأنه أراد أن هذا الجمل لسرعته قلَّ ما تلامس قوائمه الأرض! كما قال كعب بنُ زُهير رضي الله عنه يصف قوائم الناقة: «ذوابِلٌ، وقْعُهنَّ الأرضَ تَحْلِيلُ»، أي: لا تقع أرجلُها على الأرض إلا بقدر ما يُحِلُّ القسَمَ. ومثل بيت عُبَيْدٍ قولُ المُتوكِّل اللَّيْثِي:
أبا خالدٍ، حنَّتْ إليكَ مطيَّتي على بُعْدِ مُنتابٍ وهَوْلِ جَنانِ
كأنَّ ذِراعَيها -إذا ما تذَيَّلتْ- يدا ماهرٍ في الماء يَغْتَلِيَانِ
والماهر: السبَّاح المُجيد الحاذق.
وقوله: (وحادَثْتُ شَدَّهُ بأعواد ميس)، جعل بين سرعة البعير وبين العُود الذي يُضرَب به ليُستحَثَّ نوعَ مفاهمة، فكأن هذا العُود يُكلِّم سرعة هذا البعير فيأمرها أن تزيد! والمَيْس: شجرة من أجود الشجر للعِيدان، منها تُتَّخذ الرحال، ثم وصف هذا العُود بأنه مُزيَّنٌ منقوش، وألوانٌ (مُحبَّرة)، أي: قد أُجِيد تلوينها ونقشها.
وقولُه: (أو رِيح تروح وتَبكُر) إغراقٌ في المبالغة، فكأنه بعد أن أسرع به جمَلُه رجع إلى نفسه فقال: وهل يستطيع الجمل أن يصل إلى أرضها البعيدة النائية، ثم قال: دعك من الجمل، بل هل تصل الرِّيح إلى أرضها أصلًا! ومثل هذا قول دِعبِل الخزاعي:
حلَّت محَلًّا بقُطر الأرض منتبذًا تُقصِّر الرِّيح عنه كلما جَرَتِ!
قوله: (وأنت طريد): أي مطارد مطلوب، لأنه كان لصًّا فاتكًا.
وقوله: (تَصَبُّ فتَظهَرُ)، أي: أنت تختبئ عن الناس في هذه القفرة مصاحبًا الوحوش، وأحيانًا تغلِبُك الصبابة فتظهر وتبدو، وتخرج من قفرتك بارزًا للناس.
وقوله: (مَرْبَعٌ وقَيْظٌ)، أي: هل تعود أيامٌ كنا فيها نقعد الربيع والصيف بأكناف الظُّلَيف -وهو موضع-؟
و(البَطَّالة): صاحبة الباطل.
التعليقات
كلمة عن خَصوصِيَّة (١) مستخدِم التعليقات:
جعلتُ نظام التعليقات مفتوحًا، بدون اسمٍ ولا تسجيل، ولكن لئلَّا ينتحلَ مُعلِّقٌ أسامِيَ عديدة، أو يضغط الإعجاب على تعليقٍ واحد عشَرات المرَّات، أعدَدتُّ نِظامَ أَمانٍ يسيرًا:
إذا زُرتَ الصفحة واستخدمْتَ نظام التعليقات، فإن الصفحة تجمَعُ معلوماتٍ تقنيةٍ يسيرة، عن مُتصفِّحك وجهازك، لتنشئَ لك بصمةً خاصَّةً، ومُعرِّفًا فريدًا، يتذكَّرُ إعجاباتِك، وتعليقاتِك. لا تُجمَع هذه المعلومات إلا لهذا الغرَض فحسْب. فاطْمئنَّ :)
(١): الخَصُوصِيَّة -بفتح الخاء-: ما يخصُّ المرء من مُختلِف شُؤونِه. وفتح الخاء فيها أفصح، نصَّ عليه أبو يُوسُف ابنُ السِّكِّيت (ت244هـ) في «إصلاح المنطِق»، والإمام أبو العَبَّاس ثَعْلَب (ت291هـ) في «الفصيح».