السابقة

التمثُّل بالشِّعر

شارك
نسْخ النص

السؤال:

هل سبقَ جمعُ الأمثال والحِكَم من طيَّات الشعر؟ وكيف أبحث عن أبيات في معان خاصة إذا أردتُّ التمثُّل أو غيرَهُ؟

الجواب:

هذه غايةٌ سنيَّة، ومطلبٌ عالٍ شريف، ولم يزلِ البُلَغاء يُوشُّون أحاديثهم بسائر الأمثال، ومُتنخَّل الحِكَم، وهذا ثمرة علم المحاضرات -عند مَن يعُدُّه من علوم العربية-، فإن للشعر سُلطانًا على النُّفوس، وتغَلْغُلًا إلى دقائق مساربها، وحُسنَ عبارةٍ عن كامنِ خفاياها، فحَرِيٌّ بطالب التأدُّب أن يتملَّأ من ذلك بالعِدِّ الرِّوَىٰ، حتى يصيرَ كما قيل: (يضعُ الهِناءَ مواضعَ النُّقْبِ!)، وقد كان الصحابة -عليهم رضوان الله- كعُمَرَ وعائشة، يُكثِرُون التمثُّل بالشعر فيما يعتنُّ لهم من المواقف.

والأصل في اكتساب هذا، أنه يُكتَسب بكثرة الممارسة، ودوام النظر في دواوين الأدب، وأشعار الشعراء، وكتب الأمثال والمحاضرات، حتى يَمْتَخِرَ بنفْسه من عقائل الكَلِم، وحُرِّ المعاني، ونادر الأمثال، ما يكون قريبًا لذَوقه، وهذه الطريقة أقومُ، وأثبتُ في الصدر، وأوقعُ في النفس، وأسرعُ في الاستحضار، وأكثرُ فوائدَ، وأحسنُ عوائدَ.

أما عن جمْعِها، فممن أحسنَ في فعل ذلك، وعرَضه في معرضٍ بارع، أبو الحسين أحمدُ بنُ فارس القزويني (٣٩٥ه‍) -رحمه الله- في كتابه «أبيات الاستشهاد»، وهو كتابٌ بهيٌّ بارع! وقد حقَّقه الدكتور إبراهيم الحمد تحقيقًا مُتقَنًا، وذيَّل له بذيلٍ زاد فيه على ما أورده ابنُ فارس، وطريقة ابنِ فارس في هذا طريقةٌ مبتكرة بديعة، فإنه بدأه بقوله: «بلغَنا أن رجلًا من حمَلَة الحُجَّة، ذا رأيٍ سديد، وهمَّةٍ بعيدة، وضِرسٍ قاطع، قد أعدَّ للأمور أقرانَها، بلسانٍ فصيح، ونهجٍ مليحٍ، وكان إذا رأى ذا مودَّة قد حالَ عما عهده، أنشده: (ليس الخليلُ على ما كنتَ تعهدُه * قد بدَّل اللهُ ذاكَ الخِلَّ ألوانا)».

وهكذا، يورد المضرب والموقف، ثم يُتْبِعُه بذكرِ بيتٍ يصلُح أن يُتمثَّل به فيه. وهو كتابٌ حقيقٌ بالحِفظ.

وللأستاذ التَّجاني سعيد محمود كتابٌ اسمُه: (التمثُّل بالشعر)، جمع فيه الأخبار التي ورد فيها تمثُّل السلَف -من الصحابة والتابعين- بالشعر، وهو كتابٌ جيِّد.

وقد جمع بعضُ الأُدَباء مثلَ هذه الأبيات على ترتيب حروف المُعجَم، فمنهم أبو عبد الله حمزةُ بن الحسن الأصفهاني (٣٦٠ه‍)، صنَّف: «الأمثال الصادرة عن بيوت الشعر»، جمع فيه ما ينيف على خمسة آلاف بيت.

وأربى عليه أبو نصر محمد بن أيدُمر المُستعصِمي (٧١٠ه‍)، في كتابه: «الدرُّ الفريد وبيت القصيد».

ومن المتأخِّرين: الأستاذ أحمد قبش في كتابه: «مَجْمَع الحِكَم والأمثال في الشعر العربي».

والحَماسات رتَّبت الشعر على المعاني، وبوَّبَتْه أبوابًا، وتختلِفُ في دقة الأبواب وكثرتها، فمن أدقِّها وأخصِّها في التبويب: حماسة البحتري. وأيضًا كتبُ المعاني، كديوان المعاني للعسكري، والصناعتان لأبي هلال. ثم كتُبُ الأدب المبوبة على الأبواب كعيون الأخبار لابن قتيبة، والعِقد لابن عبد ربه، وتذكرة ابن حمدون. فهذه تأتي بالنثر والشعر على المعنى المُبوَّب له.

وأحسَنُ من كل ذلك -كما قلتُ أوَّلًا-: أن تسيحَ في كتُب الأدب والدواوين، وتُدِيم النظرَ فيها، وتستخرج الأبيات بنفسك، فرُبَّ بيتٍ حَسُن التمثُّل به في موقفٍ، وهو يدلُّ عليه بوجهٍ بعيد، ومع ذلك يَحسُن موقعُه ويلَذُّ التمثُّل به. مثلًا: مَن يكون عنده شخصٌ لا يُحسِن إلا اللعِب واللهو فقط، فيقول له -تذْميرًا له وحضًّا على تَدارُك نفسِه-: (إمَّا تَقَارَشْ بكَ الرِّمَاحُ فلا * أَبْكِكِ إلا للدلْو والمَرَسِ!). فهذا بيتٌ ما أحسنَ التمثُّل به هنا مع بُعد ظاهرِه عن ظاهر هذا الموقف وعلى ذلك فقسْ. فإن قَصُرَتْ بك هِمَّتُك عن النظَر بنفسك، فاسأل أهل الأدب يفيدوك.

والله أعلم.

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات...
نُسِخ النَّصُّ!