بسم الله الرحمن الرحيم
تَلَذُّ الأسْماع بالصوتِ الحَسَن، يُنشِد الكَلامَ الحسَن، أما سمِعتَ ما رواهُ الأَيِمَّة مِن حديث أبي هُريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ما أَذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ كأَذَنِهِ لِنَبِيٍّ يَتَغنَّىٰ بالقُرآن، يجْهَرُ به)١، فهذا أحسَنُ الناس، يقَرأُ بأحْسَنِ الصوتِ أحسنَ الكَلام! أفلا يأذَنُ الله له؟
والعَرَبُ أحسَنُ الناسِ مَنطِقًا، وأفضَلُهم كَلامًا، وأَبْيَنُهم بَيانًا، ورَأْس ما وصَلُوا إليه من تنميق الكَلام وتَطْرِيَتِه، أنْ جعلوا شعرًا على أَبْحُرٍ بَأَلْحان معلومة، تُطْرِب السمع، وتأخُذ بلُبِّ الإصغاء، وتستحْسِنُها النفوس. فرَوَتِ العَرَبُ -كلُّهم- الشعرَ، لا تجِدُ أحدًا منهم إلا هو يروي من الشعر شيئًا كثيرًا، قال أبو جعفر ابنُ جرير الطبَري (ت310هـ) ﵀ في (تَهْذيب الآثار): (لم يكُن كبيرُ أحَدٍ مِن أصحابِ رسول الله ﷺ والتابعينَ لهم بإحسانٍ مِن العرَب، إلا وهو للشِّعر قائلٌ، أو هو له رَاوٍ الروايةَ الغزيرةَ الكثيرةَ)٢.
فكان هذا الشعرُ أنيسَهم في حَلِّهم وظَعْنِهم، وغُدُوِّهم ورَواحِهم، يُنشِدونه على كلِّ حالٍ، ويتمثَّلُون به في كلِّ شأْن، ذكر أبو عبد الله مُحمَّد بنُ سَلَّام الجُمحي (ت231هـ) ﵀ أن عُمر ﵁ كان لا يكاد يَعرِض له أمرٌ إلا أنشدَ فيه بيتَ شِعرٍ٣. وكذلك كانوا، يَحدُو الحُداة الرِّكاب، ويتغنَّى السُّقاة على النواضِح، ويقومُ مُنشِدُ الشُّعراء بين يدَيِ الأمير، ويترنَّمُ سُراة الليل، بل حتى في المَسجِد، روى أبو عبد الله ابنُ سَعْد الهاشِميُّ مولاهُم (ت230هـ) ﵀ في «الطبَقات» من حديث جابرِ بنِ سَمُرَةَ ﵁ أنه قال: (جالستُ رسولَ الله ﷺ، أكثرَ مِن مئةِ مرَّة، فكان أصحابُه يتناشَدُون الأشعارَ في المسجد، وأشياءَ مِن أَمْرِ الجاهليَّة فرُبَّما تبسَّم رسولُ الله ﷺ)٤.
بل حتى الكَنَّاس يَظَلُّ يُنشِد، يتسلَّى في عَمَلِه، قال أبو حَيَّان التَّوْحِيديُّ (ت نحْو 400هـ) في «البصائر والذخائر»: (قال الأصمعيُّ (ت216هـ): مرَرْتُ بكَنَّاسٍ في بعض الطريق وهو يُنشِد:
وَأُكْرِمُ نفسي إنَّني إن أهنتُها * وَحَقِّكَ لم تَكْرُمْ على أَحَدٍ بَعْدِي
فقلتُ: عن أيِّ شيءٍ أكرمتَها وهذه الجَرَّةُ على رَقَبَتِك؟ فقال: عنِ الوُقوف على باب مثلِك)5.
بلِ المَجانِين أيضًا يُنشِدون من الشعر، ذكر أبو القاسم الحسن ابنُ حَبِيبٍ النَّيسابُوريُّ (ت406هـ) في «عقلاء المجانين» مجنونًا اسمُه عَلْيان. قال: (كان يأوي إلى دُكَّان طحَّان ومعه عصا لا تفارقه، وكان الصبيان يأتون إليه فيعبَثُون به ويؤذونه. قال: فإذا بَلغتْ أذيَّتُهم منه قال للطحَّان: قد حَمِيَ الوطيسُ وطابَ اللقاء، وأنا على بصيرةٍ من أمري فماذا ترى؟ فيقول الطَّحَّانُ: شأنَك. فيَثِبُ على الصبيان وهو يقول:
إذا هَمَّ ألقى بين عينيه عَزْمَه * ونكَّب عن ذكر العواقبِ جانبا
ثم يَشُدُّ مئزره ويقول:
قومٌ إذا حاربوا شَدُّوا مآزِرَهم * عن النساء ولو باتت بأطهارِ
ثم يتناول العصا ويَشُدُّ عليهم وهو يقول:
أَشُدُّ على الكتيبة لا أبالي * أحَتْفي كان فيها أم سواها
فيهرُبُ الصبيانُ، فإذا هربوا قال: أُمِرْنا ألَّا نتبعَ مُولِّيًا، ولا نُذفِّفَ على جريحٍ. ثم يرجع وهو يقول:
أنا الرجل الضَّرْبُ الذي تعرفونه * خِشاشٌ كرأس الحية المُتوقِّدِ
ثم يعود إلى دُكَّان الطحان ويلقي عصاه ويقول:
وألقت عصاها واستقرَّ بها النوى * كما قَرَّ عينًا بالإياب المُسافِرُ!)6.
فكذا كانوا، دائمي الإنشاد للشعر، سواءٌ ترنَّموا به أم لم يترنَّمُوا، يطرَبون بذلك وتأنَس به نُفوسُهم، ويُحدِث ذلك للمرء الطربَ حتى لو كان صوتُه أنكَرَ من صوتِ الحِمار، فقد قال أبو عُمَرَ ابنُ عبدِ رَبِّهِ الأندُلسيُّ (ت328هـ) في (العِقْد): (وليسَ مِن أَحَدٍ -كائنًا مَن كان- إلا وهُو يَطْرَبُ مِن صوتِ نفسِه، ويُعجِبُه طَنِينُ رأسِه!)7.
والإنشادُ: مصدرُ أنشدَ يُنشِد. والإنشاد في الأصل: رفْع الصوت، ومنه ما رَوَى ابنُ ماجَهْ -وغيرُه- من حديث عبد الله بنِ عمْر بنِ العاصِي ﵁: (أن النبيَّ ﷺ نَهَىٰ عن إنشادِ الضالَّة في المسجد)، يعني تعريفَها ورفْعَ الصوت بالمُناداة بها. وسُمِّي الطلَب والسؤال إنشادًا، لأن طالب الشيء يرفعُ صوتَه بذِكره. يُقال: نَشَدَ الرجلُ الشيءَ يَنشُده نَشْدًا ونِشْدَةً ونِشْدانًا ثلاثيٌّ من باب (قتل)، فهو ناشِدٌ، إذا طلبَه ورفَع الصوت في البحث عنه، والمفعول: منشود. ويُقال أيضًا بالمعنى نفسِه أنشدَ الشيءَ يُنشِدُه إنشادًا، رُباعيٌّ من باب (أخرجَ) فهو مُنشِد، والمفعول مُنشَد. ومنه قالوا: أنشدَ الشعرَ، إذا رفع صوته بقراءته، سواءٌ ترنَّم به وغنَّاه أم لا. والنَّشِيد أيضًا: المُنشَد، فعيلٌ بمعنى مفعول. والنَّشِيد: الصوتُ أيضًا.
ولأجْل ذلك ما ضربَ الشُّعراء المَثَل، وتفاخَروا بقصائدِهم وحَلاوتِها على الأُذُن عند إنشادِها، قال مُزَرِّد:
| وقد عَلِموا في سالفِ الدهرِ أنني | مِعَنٌّ إذا جَدَّ الجِرَاءُ ونَابِلُ |
| زَعِيمٌ لِمَنْ قَاذَفْتُهُ بأوابدٍ | يُغَنِّي بها الساري وتُحْدَى الرواحلُ |
| تُكَرُّ فما تزدادُ إلا استِنارةً | إذا رَازَتِ الشِّعْرَ الشِّفَاهُ العواملُ! |
وقال آخَرُ:
| أليسَ إذا ما قُلتُ بيتًا تناوَحتْ | بهِ الرِّيْحُ في شَرْقِيِّها والمَغارِبِ |
| يُقصِّر للسارين من ليلة السُّرَىٰ | ويُغْدَىٰ عَلَيْهِ بِالقِيانِ الضَّوَارِبِ |
وفي مثلِه قال أبو تمَّامٍ:
| كشَفْتُ قِناعَ الشِّعرِ عن حُرِّ وَجْهِه | وطيَّرْتُه عن وَكْرِه وهْو واقع |
| بِغُرٍّ يراها مَن يراها بسَمْعه | ويدْنو إليها ذُو الحِجَىٰ وهْو شاسِعُ |
| يَوَدُّ وِدادًا أنَّ أعضاءَ جِسمه | إذا أُنْشِدَتْ -شوقًا إليها- مَسامِعُ! |
وقال البُحتُريُّ:
| تَطُوعُ القوافي فِيكمُ فكأنَّما | يَسِيلُ إليكُمْ مِن عُلُوٍّ قَصِيدُها |
| فكم ليَ من محبوكةِ الوَشْي فيكمُ | إذا أُنْشِدَتْ قامَ امْرُؤٌ يَسْتَعِيدُها! |
وقال إسحاقُ المَوصِليُّ:
| وأبياتِ شِعْرٍ رائعاتٍ كأنَّها | إذا أُنْشِدَتْ في القوم حَسَّنَها سِحْرُ |
وللعرَب عاداتٌ وأَحْوال في إنشاد الشعر، ذكرَ أبو القاسم الراغبُ الأصْفهانيُّ (ت502هـ) أنه كان يُقال: (إذا أنشَدتَّ المديحَ ففخِّمْ، أو المَرَاثِيَ فحَزِّنْ، أو مِن النَّسِيبِ فأَخْضِعْ، أو مِن الهِجاء فسَدِّدْ وبالِغْ). وكانوا يعرِفون بعضَ الشُّعراء أو الرواة بحُسن الإنشاد، قال أبو القاسم أيضًا: (قال الفرزدقُ لِعَبَّادٍ العَنبَرِيِّ: حُسْنُ إنشادِك يَزِيْنُ الشِّعْرَ في فَهْمي). وقال أبو عُثمان في العَكَوَّك الشاعر: (كان أحسنَ خلقِ الله إنشادًا، ما رأيتُ مثله بَدَوِيًّا ولا حَضَرِيًّا). وقال الزُّبَيْر بنُ بَكَّار (ت256هـ) في مُحَمَّدٍ البَيْذَق الشَّيْباني: (كان أحسنَ الناس إنشادًا، وكان إنشادُه أحسنَ من الغِناء). وقال القِفْطِيُّ (646هـ) عنه: (وكان الرشيد يُحضِره لينشدَه مدائح الناس فيه، بتطريبٍ كإنشاد الشاميِّين، فيقوم مَقام الغِناء!). وغيرُ هؤلاء وُصِفوا بنحو ذلك.
ومِن الشُّعراء مَن يَحسُن شِعرُه للغِناء والتطريب والإنشاد أكثرَ من غيرِه لخَصُوصيَّةٍ في شِعره، كعُمَر بنِ أبي ربيعة، وأبي عُمَر العَرْجي، والأَعْشَىٰ، روى أبو عليٍّ ابنُ رَشِيقٍ القَيروانيُّ (ت463هـ) أن شيخَه أبا عبد الله محمد بن جَعفَرٍ النَّحْوِيَّ القَزَّازَ (ت412هـ) قال: (يقال: سُمِّيَ صَنَّاجَةً لِقُوَّةِ طَبْعِه، وحِلْية شِعْرِه، يُخَيَّلُ لك إذا أنشَدتَّهُ أنَّ آخَر يُنشِدُ معك!).
وروى أبو عبد الله ابنُ سَعْد (ت230هـ) ﵀ في (الطبَقات) من حديث ابنِ شهابٍ الزُّهْريِّ (ت124هـ) ﵀ عن السائب بن يزيدَ (ت91هـ) ﵁ أنه قال: (بينا نحنُ مع عبد الرحمن بن عوفٍ ﵁، فاعتزلَ عبدُ الرحمن الطريقَ ثُمَّ قالَ لِرَبَاحِ بنِ المُغْتَرِفِ: غَنِّنا يا أبا حسان! -وكان يُحسِن النَّصْبَ-، فبينا رَباحٌ يُغَنِّيهم، أدركَهم عُمَر بنُ الخَطَّاب في خِلافته، فقال: ما هذا؟ فقال عبدُ الرحمن: نَلهُو ونُقَصِّرُ عنَّا الليلَ. قال: فإنْ كنتَ آخِذًا فعليكَ بشِعر ضِرار بنِ الخَطَّاب الفِهْري). وروى أبو بكرٍ البَيهقيُّ (ت458هـ) ﵀ بإسنادِه عن وَهْب بنِ كَيْسان [مولى آلِ الزبير بن العَوَّام، توفي سنة 127 هـ ﵀] قال: «قالَ عبدُ الله بنُ الزُّبَير -وكانَ مُتَّكِئًا-: تَغَنَّىٰ بِلالٌ، قال: فقالَ لهُ رجلٌ: تَغَنَّىٰ؟ فاستوَىٰ جالسًا، ثُمَّ قال: وأيُّ رَجُلٍ مِن المُهاجِرين لم أَسْمَعْهُ يَتَغَنَّى النَّصْبَ؟».
ورأيتُ في كلام شيخِي أبي عبد الله -من نُقولاته المُعجِبة-: (في «مُعجَم السفر» لأبي طاهر السِّلَفي (ت٥٧٦هـ): «سمعت أبا الفضل أحمد بن علي بن الحكم الصِّقِلِّي بديار مصر يقول: رأيت بجزيرة صقلِّيَّة أُيَّلًا ورَجُلًا طَيِّبَ الصوتِ يحدو ويُنشِد ويقرب منه، وهو والله واقف يتسمَّع كالمُغمى عليه إلى أن طعنه ووقع». وفي «صوان الحكمة» لأبي سليمان المنطقي (ت بعد ٣٩١هـ) من ترجمته ثاوفرسطس أنه قال: «لو كان للاستماع درجة فضيلةٍ لكانت الأيايل قد أخذت بحَظِّها منها، إذ هي تُحِبُّ أصوات الملاهي كثيرًا». وفي «ربيع الأبرار» للزمخشري: «وعن بعض الفلاسفة أنه رأى أيايل قد سمعت زمرًا وعزفًا فأقبلت إليه وطأطأت رأسها وكادت تنام تلذُّذًا بسماعه»). انتهى نقلُ شيخنا أبي عبد الله.
فصلٌ: من ألفاظ العرَب في الإنشاد والغِناء، وتفسيرها.
من ألفاظ العرَب في الإنشاد والغِناء:
التَّطْريب: مَدُّ الصوت وترجيعه.
التَّغْريد: كذلك.
النَّغْمَة والنَّغَمة: الصوت عامَّةً. وتُسمَّى أيضًا: النَّغْيَة -بالياء-، وخصَّ بعضُهم بها الحسَنَ من الصوت.
التَّرْنِيم والتَّرَنُّم: إخفاء الصوت مع التطريب.
الشَّدْو: مَدُّ الصوت بالغِناء. وشَدَوْتُ أَشْدو، إذا أنشدت بيتاً أو بيتين تمدُّ بها صوتك كالغناء. ويقال للمغنِّي: الشادي. وقد شَدا شعراً أو غناءًا، إذا غنَّى به أو ترنم به.
الزَّجَل: الصوت المرتفع المتتابع السريع.
العَزْف والعَزِيف: غِناء الجِنِّ.
(رَفَعَ عقيرتَه): قال أبو محمد ابنُ قُتيبة (ت276هـ) رحمه الله وغيرُه: أصلُه أنَّ رجلًا قُطعت رِجْلُه فرفَعَها بِيَده وصرخَ مستغيثًا وغنَّى. فقالوا لكلِّ من رفعَ صوته أو غنَّى: رفع عقيرته. والعقيرة: المعقورة، أي رجله المقطوعة، فعيلة بمعنى مفعولة.
الهَزَج: صوتٌ مُطرِب فيه سرعة.
الرَّنَّة والرَّنِين والإِرْنان: غِناءٌ مع بُكاءٍ وتوجُّع.
النُّواح والنَّوْح: ترجيع صوت الحَنِين والبُكاء. ويُطلَق كثيرًا على غِناء الحَمام.
اللَّحْن: التَّطْريب بالانتقال مِن نغمةٍ إلى نغمةٍ أَحَطَّ أو أَشَدَّ.
الإِيْقاع: تحريكُ الصوت بحَرَكاتٍ لها عَوْداتٌ مُتوالِيات.
التعليقات
كلمة عن خَصوصِيَّة (١) مستخدِم التعليقات:
جعلتُ نظام التعليقات مفتوحًا، بدون اسمٍ ولا تسجيل، ولكن لئلَّا ينتحلَ مُعلِّقٌ أسامِيَ عديدة، أو يضغط الإعجاب على تعليقٍ واحد عشَرات المرَّات، أعدَدتُّ نِظامَ أَمانٍ يسيرًا:
إذا زُرتَ الصفحة واستخدمْتَ نظام التعليقات، فإن الصفحة تجمَعُ معلوماتٍ تقنيةٍ يسيرة، عن مُتصفِّحك وجهازك، لتنشئَ لك بصمةً خاصَّةً، ومُعرِّفًا فريدًا، يتذكَّرُ إعجاباتِك، وتعليقاتِك. لا تُجمَع هذه المعلومات إلا لهذا الغرَض فحسْب. فاطْمئنَّ :)
(١): الخَصُوصِيَّة -بفتح الخاء-: ما يخصُّ المرء من مُختلِف شُؤونِه. وفتح الخاء فيها أفصح، نصَّ عليه أبو يُوسُف ابنُ السِّكِّيت (ت244هـ) في «إصلاح المنطِق»، والإمام أبو العَبَّاس ثَعْلَب (ت291هـ) في «الفصيح».