السابقة

مقصورة ابنِ دُرَيد

شارك
نسْخ النص

سألتني - أظفرك الله بلبانتِك - عن مقصورة الإمام العلم أبي بكر محمد بن الحسن بن دريد (٣٢١هـ) رحمه الله تعالى، وعن فضلها ونفعها لطالب التأدب.

فأقول: هذه القصيدة المقصورة سارت مَسِيرَ الشَّمْس، وغارت وأنجدت في البلاد، وهي أشهر قصيدة مقصورة، نظمها ابن دريد في مديح الأمير أبي العباس عبد الله بن محمد بن ميكال، أمير خُراسان، وابنه العباس.

وطارَ ذِكْرُها في الآفاق، ورواها عنه الأئمة، وشرحها أكثر من خمسين عالما، وعُورِضت، وخُمِّسَت، ووُشِّحَتْ، وأُعْرِبَتْ، وتُرجمت إلى أكثر من خمس لغات.

ألغز فيها أبو الفرج جمال الدين ابن الجوزي رحمه الله (٥٩٧هـ) فقال: (من المشهورات بين الأنام، والمقصورات لا في الخيام، باسقة الفرع ثابتة الأصل، فائزة عند النضال بالخصل، جامعة المناقب والفضائل، ساحبةٌ ذَيْلَ الفَصاحة على سحبان وائل). على مبالغة في كلامه.

وهي على أصح الروايات في ٢٥٤ بيتًا، افتتحها بذكر الشيب، والتشكي من الدهر وأرزائه ومصائبه وهمومه - على عادة الشُّعراء في ذلك، ثُمَّ ذكر إشارات لقصص العرب في مقارعة الدهر، والجد في طلب الغايات، وذكر من اعتاقته صروف الزمان عن الظفر بمراده، ثم أقسم بثلاثة أشياء - والحلف بغير الله لا يجوز، عفا الله عنه -: بالمطايا الرَّذِيَّة التي تحمل الأبرار إلى البيت الحرام للحج، واستطرد في ذكر ضمور إبلهم وهزالها، وذكر حجهم ونسكهم، ثم أقسم بالخيل الأصيلات التي تحمل الفرسان الشجعان إلى حومة الوغى، واستطرد في ذكر شجاعتهم وبسالتهم وإقدامهم، ثم أقسم بأشراف يَعْرُب (قبيلة)، واستطرد في الفخر بهم شيئًا.

وجواب الشرط: أنه لن يزال يقارع الدهر ويصبر على نوائبه، وصاحباه في ذلك: سيفه وفرسه. واستطرد وأطال في وصف سيفه وخيله بأوصاف بديعة جميلة، ثم فخر بنفسه. ثم خلص من هذا إلى مدح أهل العراق، ثم تخلص من مدحهم إلى مدح ابني ميكال اللذين أنشأ القصيدة من أجلهما، ثم رجع إلى الفخر بنفسه، وذكر عفافه وزُهْدَه، وأن ذلك ليس عن عجز، بل لو يشاء لتزوج أجمل الجميلات، واقتنى أنفس الأموال.

ثم وصف النساء، ثم خلص إلى الدعاء بالغيث والسقيا، وأطال في وصف السحاب والمطر، ثم خلص من ذلك إلى ذكر الحكم والأمثال، وأطال فيها جدا. ثم خلص منها إلى وصف السفر والرحلة، ثم وصف أشياء عديدة، وذكر لغزا، ثم ذكر الطيف والحبيبة، ثم رجع إلى ذكر الدهر ومصائبه، ثم أخذ في وصف الخمر، وختم ببعض الحكم والفخر بنفسه. هذا كله في أربعة وخمسين ومئتي بيت.

فأنت ترى تعدد المسالك التي سلكها، والأغراض التي طَرَقَها، كل هذا في لغة عالية، وسبك محكم، ونسج عال. وأنا لا أدعي أنها تفوق المعلقات، أو تزيد على جياد أشعار الفحول. هيهات! لكن الفضل فيها والمنفعة:

١- كونها جامعةً لِعُظْم فنون الشعر من الفخر والتشبيه والمديح والوصف والحكم والأمثال ونحو ذلك.

٢- أن لغتها عالية، وهي مقصورة، مبنية على الكلمات المقصورة في اللغة، بل ذكر بعض العلماء أن هذه القصيدة جمعت ثُلُثَ الكلمات المقصورة في اللغة!

٣- عناية العلماء والشعراء والأدباء بها، واستشهادهم بها، وثناؤهم عليها، فقبيحٌ بالمتأدِّب أن يكونَ جاهلا بها، مُعْرِضًا عنها.

٤- وفرة ما فيها من الأساليب والتشبيهات التي ينتفع بها الأديب، فيُضمِّنها كلامه، ويصقل بها بيانه.

٥- أنها سهلة الحفظ، لكونها على بحر الرجز.

فلو أخذها الطالب، وحفظها، وفهم معانيها، واستشرحها لانتفع بها انتفاعا عظيما.

ومن أشهر أبياتها قوله:

والناسُ: ألفٌ منهمُ كواحدٍوواحِدٌ كالألف إن أمرٌ عنى

ومن جيد المدح فيها قوله:

نفسِي الفِداءُ لأَمِيريَّ ومَنْتحتَ السَّماء لأمِيريَّ الفدا!

وقال في وصف السيف:

أَبْيَضُ كالملح، إذا انتضيتُهلم يَلْقَ شَيئًا حَدُّه إِلَّا فَرَى
إِذا هَوَى فِي جُثَّةٍ غادرهامن بعد ما كانتْ خَسًا وَهْيَ زَكَا!

الخسا: العدد الفردي، والزكا: العدد الزوجي. يعني أنَّ سيفه إذا وقع على الجسد فلقه فلقتين، فصار بعد أن كان قطعةً واحدةً فردي العدد، صار قطعتين زوجي العدد! فانظر إلى هذا المعنى اللطيف.

وشروحها كثيرة جدا، وأعظمها وأوسعها وأنفَعُها شرح أبي عبد الله محمد بن أحمد بن هشام اللخمي - رحمه الله - (٥٧٧هـ)، المسمى: (الفوائد المحصورة في شرح المقصورة)، وهو مما خالف عنوانه مضمونه! فإن فوائد هذا الكتاب غير محصورة! وهو شرح نفيس وعِلْق مَضِنَّة.

ومن شروحه المعاصرة: شرح الشيخ عبد العزيز الحربي المسمى (مفاتح المقصورة)، وهو جيد للمبتدئ الذي يقرأ المقصورة أول مرة، لأنه اختصره، وعقب كل بيت بإجمال معناه. وقد أُلقيت القصيدة مرات عديدة على اليتيوب، وشرحت شروحًا صوتية ومرئية. وأنا أنصح بإلقاء الشيخ خالد الحمدان (مداك العروس) لها، وأنا حفظتها من تكراره.

ولا بد من التنبيه على أنَّ المقصورة اشتملت على ما نهى الله عنه ورسوله، من سب الدهر، والحلف بغير الله، والمبالغة في المدح، وذكر الخمر، ونحو ذلك من تجاوزات الشعراء، والله يعفو عنا وعنه، ويشملنا جميعا برحمته.

ورحم الله أبا بكر بن دريد، فإنه في مرض موته كان يتردد عليه أبو علي القالي رحمه الله (٣٥٦هـ)، فيسأله عن الشعر فيجيبه بما يشفيه، قال أبو علي: (وقال لي مرَّةً وقد سألته عن بيت شعرٍ: لَئِنْ طَفِئَتْ شَحْمَتا عيني لم تجد من يشفيك من العِلم! قال أبو علي: ثم قال لي: يا بني، وكذلك قال لي أبو حاتم [السجستاني (٢٥٠هـ)] وقد سألته عن شيء، ثم قال لي أبو حاتم: وكذلك قال لي الأصمعي [(٢١٦هـ)] وقد سألته. وقال أبو علي: وآخر شيء سألته عنه جاوبني أن قال لي: يا بني! حالَ الجَرِيضُ دُونَ القَرِيض، فكان هذا الكلام آخر ما سَمِعْتُه منه. وكان قبل ذلك كثيرًا ما يتمثل:

فَوَاحَزَنَىٰ أَن لا حَياةَ لذيذةٌولا عَمَلٌ يرضى بهِ اللهُ صَالِحُ!

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات...
نُسِخ النَّصُّ!