قال جبَّارُ بنُ جَزْءِ بنِ ضِرارِ بنِ حَرْملةَ بنِ سِنانِ بنِ أُمامةَ بنِ عَمْرِ بنِ جِحاشَ بنِ بَجالةَ بنِ بَغِيضِ بنِ رَيْثِ بنِ غَطَفانَ بنِ سَعْدِ بنِ قَيْسِ عَيْلانَ بنِ مُضَرَ بنِ نِزارِ بنِ مَعَدِّ بنِ عَدْنانَ، وهو ابنُ أخي الشمَّاخ بن ضِرار الذُّبياني:
| قالَتْ سُلَيْمَىٰ لَسْتَ بِالْحَادِي الْمُدِلْ |
| مَالَكَ لَا تَمْلِكُ أَعْضَادَ الْإِبِلْ |
| رُبَّ ابْنِ عَمٍّ لِسُلَيْمَىٰ مُشْمَعِلْ |
| يُحِبُّهُ الْقَوْمُ وَتَشْنَاهُ الْإِبِلْ |
| فِي الشَّوْلِ وَشْوَاشٌ، وَفِي الْحَيِّ رَفِلْ |
| طَبَّاخِ -سَاعَاتِ الْكَرَىٰ- زَادَ الْكَسِلْ |
| أَحْوَسَ فِي الْهَيْجَاءِ، بِالرُّمْحِ خَطِلْ |
| عَاذِلَتِي! أَبْقِي قَلِيلًا مِنْ عَذَلْ! |
| وَإِنْ تَقُولِي: هَالِكٌ، أَقُلْ: أَجَلْ! |
| قَرَّبْتُ عَنْسًا خُلِقَتْ خَلْقَ الْجَمَلْ |
| لَا تَشْتَكِي مَا لَقِيَتْ مِنَ الْعَمَلْ |
| إِلَّا أَصَارِيفَ بِنَابٍ قَدْ بَزَلْ |
| كَأَنَّهَا -وَالنِّسْعُ عَنْهَا قَدْ فَضَلْ |
| وَنَهِلَ السَّوْطُ بِدَفَّيْهَا وَعَلْ- |
| مُوَلَّعٌ يَقْرُو صَرِيمًا قَدْ بَقَلْ |
| صَبَّ عَلَيْهِ قَانِصٌ لَمَّا غَفَلْ |
| -وَالشَّمْسُ كَالْمِرْآةِ فِي كَفِّ الْأَشَلْ- |
| مُقَلَّدَاتِ الْقِدِّ يَقْرُونَ الدَّغَلْ |
| ثُمَّ تَرَدَّىٰ جَانِبَيْهِ وَأَدَلْ |
| وَزَلَّ كَالْإِبْرِيقِ بِالْمَتْنِ الْقَبَلْ |
| كَأَنَّهُ مُسَرْبَلٌ -وَقَدْ فَعَلْ- |
| مُلَاءَ كَتَّانٍ وَرَيْطٍ مَا احْتَمَلْ |
| إِلَّا الشَّوَىٰ مِنْهُ، وَإِلَّا الْمُكْتَحَلْ |
قصة الأرجوزة:
خرجَ ركبٌ من مصرَ من بني ثعلبةَ بن سعد بن ذُبيان، فيهم الشمَّاخ وابنَا أخوَيه جبَّار بن جَزْء وكُثيِّر بن مُزَرِّد، وفيهم ناسٌ من محارب وبني أسد بن نعامة، وفيهم الجُلَيح بن شَديد الثَّعلبي، وكان الجُلَيح يُحادث امرأةَ الشمَّاخ وكان الشمَّاخ وأصحابُه يُبغِضُونه، فأمر الشمَّاخُ ابنَ أخيه أن ينزل ويحدو بالقوم ويُعرِّضَ بالجُلَيح -وكذلك كانت العرب تفعل، ينزل الرجل فيسوق بأصحابه ويحدو ويرتجز-، فنزل وعرَّض بالجُلَيح، ثم نزل الجُلَيح وحدا بهم وعرَّض بامرأة الشماخ، ونزل القومُ للحداء واحدًا بعد واحد، وكانت أرجوزة جبَّار هذه منها، ثم شَرِيَ الشرُّ بينهم وتواثَبُوا بالسُّيوف، فصاح بهم رجلٌ من بني أسد وكان في آخر القوم: «أَيْ قومُ! إني قد لُدِغتُ»، ففزعوا إليه يُوجِرُونه السَّمْنَ ويَسْقُونَه اللبَنَ، وَلُهُوا عمَّا كانوا فيه. فلما أصبحوا لم يَروا بالأسدي بأسًا، وإنما حجَزَ بينهم بذلك.
شرح الأبيات
١٢(سُلَيمى): زوجة الشمَّاخ، و(الحادي): الذي يَشدو للإبل ويُغنِّي لها لتسيرَ، و(المُدِلُّ): القويُّ الشديد على السير. وهذا والذي بعده تعريضٌ بالجُلَيح. و(أعضاد الإبل): قوائمُها، و(تملك): تُقوِّم مسيرَها وتضبطها حتى لا تذهب يمينًا وشمالًا. ٣(ابن عمِّ سُلَيمى): هو زوجها الشمَّاخ. وهذا وما بعده مدحٌ للشمَّاخ. و(مُشمَعِلٌّ): خفيفٌ سريعٌ حاذق، وهذا مما تتمدَّح به العرب. ٤(يحبُّه القوم): لخدمتِه لهم وحسن رُفقتِه معهم. و(تشناه الإبل): لأنه يشُلُّها شلًّا عنيفًا بالحُداء. ٥(الشَّوْل): الإبل التي خفَّت ألبانُها وقلَّت. و(وَشْواش): خفيفٌ جَلْد. و(رَفِل): خافضٌ متنعِّم لابسٌ ثيابَ المترفِّهين، يعني أنه إنما يخدم إخوانَه في السفَر تكرُّمًا منه وتفضُّلًا عليهم. ٦(ساعاتِ): مضافٌ إلى (طبَّاخ)، والإضافة هنا بمعنى «في». و(الكَسِل): الكسول الخامل. يعني أنه إذا كسل أصحابُه عن طبخ الزاد عند تعريسِهم وغلبةِ الكرى عليهم كفاهم ذلك وقام به أحسنَ قيام. و(زادَ): منصوبٌ مفعولٌ به لـ(طبَّاخ). ٧(أحوس): جريءٌ لا يهاب. و(الهيجاء): الحرب. و(خَطِل): خفيف اليدين، يريد أنه حاذقٌ بالطعن بالرماح عند الحروب. ٩(إن تقولي هالكٌ): أي: بكثرة أسفارك. (أجل): نعم. ١٠(العنس): الناقة الصلبة. وقوله: (خُلقت خلق الجمل): يعني أنها موثَّقة الخَلق، قويَّة على السير كالجمل. ١٢(الأصاريف): جمع صريف، وهو صوت ناب الناقة عند الإعياء. ويقال: بزل النابُ إذا طلَع. ١٣١٤قوله: (والنِّسع عنها قد فضَل): أي ضمُرت حتى فضل عنها النِّسع، كقول أبي النجم: «وطالَ فضلُ قصيرِ النِّسعِ فاضطربَا». والنِّسع: حبلٌ يُشدُّ به الرَّحل على ظهر الناقة. و(الدفَّان): الجانبان. ومعنى (نهل السوطُ بدفَّيها وعلَّ): ضربها صاحبُها بالسوط لتزيد من سيرها مرةً بعد مرة. ١٥(المُولَّع): الثور الوحشي هاهنا، من التوليع، وهو التلميع من البرص ونحوه. شبَّه ناقتَه في حال كلالها وتعبها بالثور الوحشي. (يقرو): يتتبَّع ويقصد ويطلب. و(صريمًا): القطعة من الرمل. و(بَقَل): أنبت البقلَ. ١٦(صبَّ): بثَّ وفرَّق. و(القانص): الصياد. ١٧(الأشلُّ): يابس اليد. شبَّه اضطرابَ شعاع الشمس وتموُّجَه باضطراب المرآة والتماعها وتموُّج الصورة فيها في كفِّ الرجل الأشلِّ، لأنه لا يُحسن الإمساك بالمرآة فهي تضطرب في يده. وهذا البيت من شواهد البيانيين. وجملة (والشمس كالمرآة في كفِّ الأشل): حاليَّة، أي: أرسل الصيادُ الكلابَ في هذه الحال. ١٨(مُقلَّدات القِدِّ): أي: صبَّ عليه القانصُ كلابًا قُلِّدت سيورًا. (يقرون): يتتبَّعن ويقصدن. و(الدَّغَل): كل موضع يُخاف فيه الاغتيال. ١٩(تردَّى جانبيه): ضمَّ جانبيه وشمَّر للهرَب. و(أدلَّ): أسرعَ وشدَّ. ٢٠(زلَّ): انحدرَ. و(الإبريق): شِبهُ الكوز. و(المَتن): الظهر، والجارُّ والمجرور في (بالمتن) متعلِّقٌ بـ(زلَّ). و(القَبَل): ما علا من الأرض. شبَّه سرعةَ انحدار هذا الثور بسرعة انحدار الإبريق. ٢١(مُسربَل): مُغطَّى. وقوله: (وقد فعل): أي: وذلك واقعٌ بالفعل. ٢٢(المُلاء): المِلحفة وما يُغطَّى به. و(الريط): كل ملاءة غيرِ ذات لِفقَين. و(الكتَّان): معروف. ٢٣(الشوى): الأطراف. و(المُكتحَل): مكان الاكتحال وهو المدامع. يريد أن هذا الثور عمَّه البياضُ إلا أطرافَه ومدامعَه. مُستفادٌ من شرح عبد القادر البغدادي (١٠٩٣هـ) في «خزانة الأدب»، وأحمد الأمين الشنقيطي (١٣٣١هـ) في «شرح ديوان الشماخ»، وشرح صلاح الدين الهادي محقق الديوان، وبعضِ المصادر الأخرى.
التعليقات
كلمة عن خَصوصِيَّة (١) مستخدِم التعليقات:
جعلتُ نظام التعليقات مفتوحًا، بدون اسمٍ ولا تسجيل، ولكن لئلَّا ينتحلَ مُعلِّقٌ أسامِيَ عديدة، أو يضغط الإعجاب على تعليقٍ واحد عشَرات المرَّات، أعدَدتُّ نِظامَ أَمانٍ يسيرًا:
إذا زُرتَ الصفحة واستخدمْتَ نظام التعليقات، فإن الصفحة تجمَعُ معلوماتٍ تقنيةٍ يسيرة، عن مُتصفِّحك وجهازك، لتنشئَ لك بصمةً خاصَّةً، ومُعرِّفًا فريدًا، يتذكَّرُ إعجاباتِك، وتعليقاتِك. لا تُجمَع هذه المعلومات إلا لهذا الغرَض فحسْب. فاطْمئنَّ :)
(١): الخَصُوصِيَّة -بفتح الخاء-: ما يخصُّ المرء من مُختلِف شُؤونِه. وفتح الخاء فيها أفصح، نصَّ عليه أبو يُوسُف ابنُ السِّكِّيت (ت244هـ) في «إصلاح المنطِق»، والإمام أبو العَبَّاس ثَعْلَب (ت291هـ) في «الفصيح».