السابقة

شرح أرجوزة الرضي

شارك
نسْخ النص

قال أبو الحَسَن محمدُ بنُ الحُسَينِ بنِ مُوسَىٰ بنِ محمدِ بنِ مُوسَىٰ بنِ إبراهيمَ بنِ جَعْفَرِ بنِ محمدِ بنِ عليِّ بنِ الحُسَينِ بنِ عليِّ بنِ أبي طالب، المعروفُ بـ«الشَّريف الرَّضِيّ»، (ت٤٠٦هـ)، يهجو، قالَها في شعبانَ سنة (٣٩٤هـ).

أبا نِزَارٍ تُفْسِدُ القومَ النِّعَمْ
غَفَّلَكَ الوُجْدُ، وزَكَّانِي العَدَمْ
تُرَمِّمُ المالَ وبالعِرْضِ ثُلَمْ
إني إذا راحتْ على الحَيِّ النَّعَمْ
راحَ على بيتي الثَّناءُ والكَرَمْ
لا سَلِمَ المالُ إذا العِرْضُ سَلِمْ
قد كنتُ نادَيْتُك والأمرُ أَمَمْ
أما ترىٰ خَلْفَ عَقَابِيلِ الظُّلَمْ
لَوْثَ خِمَارِ الصُّبْحِ في رأْس العَلَمْ
نَفْسَكَ! إنَّ الخَيْلَ بالقومِ زِيَمْ
أُنْجُ! فعَن لَّفْتَتِكَ الرُّمْحُ الأَصَمْ
نَاشَدتُّكَ اللهَ، وتَحْنانَ الرَّحِمْ
وقلتُ: حِدْ عن منهَجٍ غيرِ لَقَمْ
فلم تُطِعْني رُبَّ رَأْيٍ مُتَّهَمْ
سَمْعُكَ وَاعٍ، وبعقلِك الصَّمَمْ
حتى لَقِيتَ خَطْفَةَ البازِي الضَّرِمْ
أُمَّ الدُّهَيْمِ حامِلًا بِنْتَ الرَّقِمْ
أَمَرَّها المِقْدارُ إِمْرَارَ الوَذَمْ
أَفْلَتَّ منها بعد إنشاب القَدَمْ
وبعدما ضاقَ عليك المُزْدَحَمْ
مُنْفَلَتَ الأُظْفُورِ مِن شَقِّ الجَلَمْ
أقسَمتُ بالبَيتِ الحَرامِ والحُرُمْ
وبالمُلَبِّينَ غَدَوْا شُعْثَ اللِّمَمْ
على رَذايا مِن وَجًا ومِن سَأَمْ
يَطْلُعْنَ مِن أجْبالِ رَضْوَىٰ وَخِيَمْ
بها وَقارٌ بعدما كان لَمَمْ
وما جَرىٰ بالخَيْف مِن دَمْعٍ وَّدَمْ
يومَ يُطِيرُ الناسُ غِرْبانَ الجُمَمْ
حيثُ ترىٰ تلك المَجالِي والقِمَمْ
يُمسِين غِرْبانًا ويَغْدُون رَخَمْ
والمُستجارِ بعد ذا والمُلْتَزَمْ
تلقىٰ بهِ لِأُمَمٍ بعدَ أُمَمْ
مُفْتَرَقًا -لا عن قِلًى-، وَّمُصْطَدَمْ
صَكَّ المُجِيلِ زَلَمًا علىٰ زَلَمْ
لَأَصْدَعَنْ عِرْضَكَ صَدْعًا لا يُلَمْ
عَطًّا كما عَطَّ القَرَارِيُّ الأَدَمْ
دَبِيبَ نارِ القَيْنِ طارتْ في الفَحَمْ
أَقْرَعُ فيهِ بِشَبَا طَعْنٍ وذَمْ
نَهْزَ الدِّلَاءِ تلتقي، والمَاءُ جَمْ
وَيْلٌ إِذَن يَّوْمَ النِّطَاحِ، لِلْأَجَمْ
كم يَلْبَثُ الأَصْلُ على ضَرْبِ القُدُمْ
عُرِّضْتَ مِنِّي لِبَصِيرٍ بِالقِيَمْ
حامي الأُوَارِ مُنضِجٍ إذا وَسَمْ
آسِي الحَفِيظَاتِ، إذا الدَّاءُ أَلَمْ
عَاجَلَ أَدْوَاءَ العُرُوقِ، فَحَسَمْ
حَثْحَثَةَ الذِّئْبِ عَوَىٰ مِنَ القَرَمْ
آنَسَ وَهْنًا نَسْمَ رِيْحٍ، فَنَسَمْ
مَاضٍ على اللَّيْلِ، إذا لَمْ يَرَ شَمْ
مَنْ أَسْقَمَ النَّاسَ رَمَوْهُ بِالسَّقَمْ
وَمَن رُّمِيْ بِالمُوقِظَاتِ لَمْ يَنَمْ
كم ضَافَ رَحْلِي مِنْكُمُ طَارِقُ هَمْ
بِتُّ لَهُ أَخْطِمُ دَائِي وَأَزُمْ
تَوَجُّسَ اللَّيْثِ اسْتَرَابَ بِالْأَجَمْ
أَهْدِرُ عَن شِقْشِقَةِ العَوْدِ القَطِمْ
حَتَّىٰ رَمَيْتُ، رُبَّ نَبْلٍ مِن كَلِمْ
إِنَّ هُمُومَ القَلْبِ أَعْوَانُ الهِمَمْ
قد يُقْدَعُ المَرْءُ وإن كانَ ابْنَ عَمْ
ويُقْطَعُ العُضْوُ الكَرِيمُ لِلْأَلَمْ
لَأُلْزِمَنْ -إن لَّمْ يُغَيِّبْكَ الرَّجَمْ-
لِهْزِمَتَيْكَ عَاقِرًا مِنَ اللُّجُمْ
يُسِيلُ ذِفْرَاكَ دَمًا، وَمَا ظَلَمْ
مَوَارِدُ الجَهْلِ مَصَادِرُ النَّدَمْ!
نَفْحَةُ عَارٍ مِثْلُهَا نَفْثَةُ سَمْ
تَشَمُّهَا بِمَارِنٍ غَيْرِ أَشَمْ
إذا وَعَاها ضَاحِكُ القَوْمِ وَجَمْ
يخافُها، وما جَنَىٰ ولا جَرَمْ!
خُذْهَا حُرُوبًا كأهاضِيبِ الدِّيَمْ
لا عَزَّ مِنَّا اليومَ مَن أَلْقَى السَّلَمْ
إن كنتَ حُرًّا غيرَ مَغْمُوزِ الشِّيَمْ
فقُل لَّنا مَنِ العُبَيْدُ، والقَزَمْ
جاءتْ به مِخْدَاجَةٌ غَيْرَ مُتَمْ
لها الرَّزَايَا، وَلِبَطْنِهَا العَقَمْ

شرح الأبيات

(غفَّل) على معنى التعدية، أي: جعله غافلًا، و(الوُجْد) مثلَّث الواو، وضمُّها أعلى: السَّعة والغنى. ومنه قوله سبحانه:         . يقول: غِناك ورَفاهُك وتنعُّمك أوقعَك في الغَفْلة، أما أنا فقد صفَّى أخلاقي وهذَّبَني وزكَّاني إقلالي وفقري.
أي: تُصلِح المالَ وفي عِرضك فسادٌ أولى بإصلاحه. يذمُّه بأنَّ همَّه كلَّه مصروفٌ إلى إنماء مالِه، وتثمير ورَقِه.
يقول: إني إذا أنفَقتُ مالي على الحَيِّ عادَ إليَّ الثَّناء. يُبصِّره بحميد عُقبىٰ الكرَم، ويَدُلُّه على جهله وسُوء رأيِه لمَّا ثمَّر المالَ واكتنزَه، فاشترَىٰ الذَّمَّ ببقاء المال.
هذا كقول حسَّان -رضي الله عنه-: (لا بارك اللهُ بعدَ العِرضِ في المالِ).
(الأَمَم): القريب. يقول: قد كنتُ نبَّهتُك وذكَّرتُك والأمر قريبٌ من التَّدارُك، لم يشتدَّ ويستفْحل.
(العَقابِيل): البقايا، و(الظُّلَم): بضم الظاء وفتح اللام: جمع ظُلمة.
اللَّوْث: الطَّيُّ واللَّفُّ، واستعار للصبح عمامةً، وجعلَه يلفُّها على رأس الجبل، إيذانًا بطُلوعِه وذُرورِه ضياءَه على الأرض. ومعنى الكلام: أما ترى بوادر الصبح وأَماراتِ طُلوعِه خلف أعقاب الليل؟ وقُرب طلوع الصبح كنايةٌ عن وشْك وقوع العَذاب وحُلول النِّقْمة. قال سبحانه:      ، وقال:             . وقال أبو نُواس: (تجهَّزْ جَهاز البرمكيِّين وانتظرْ * بقيةَ ليلٍ صُبْحُه بك لاحِقُ!). و(العَلَم): الجبل.
(نفسَك): منصوبٌ بمُضمَر تقديره: عليك، أو الزَمْ، أو: أنقذ، أو نحوها. و(زِيَمْ): جمع زِيْمَة، وهي القطعة، وهذا تمثيلٌ لما سيلحقُه من الهجْو.
(أُنْجُ): تُرسَم هكذا بقطع الهمزة، لأنها جاءت في بداية الشطر. يقول: انجُ بنفسِك وفِرْ عِرضَك وقِ حسَبك، فإنّك -في تماديك في ما يَشِين- كمن هو في وسط معركة والخيل تَطلبُه وتشتدُّ وراءَه، فإذا التفتَ خلفَه، وصرفَ وجهَهُ إلى وراء نالتْ منه الرِّماح وأدركه الطالبون.
(التَّحْنان): مصدر كالتحنُّن. قال: (وشاقَك تَحْنانُ الحَمامِ المُغرِّدِ). يستَعطِفُه بما بينهما من رَحِمٍ ينبغي أن تُبَلَّ.
(المنهج): الطريق. و(اللَّقَمْ): الواضح الواسع. يقول: قد نهيتُك وعرَّفتُك مغبَّة ما أنت فيه، فلم تسمعْ ولم تُصِخْ.
قولُه: (رُبَّ رأْيٍ مُتَّهم): أي: رب نصحٍ صادق، ورأْي مُستَحْصِد صالح، رُدَّ واتُّهِم. وهذا قريبٌ من قول الأعشى: (عصى المُشْفِقين إلى غَيِّه * وكُلَّ نصيحٍ لهُ يتَّهِمْ).
(البازي): من الجوارح، قال جرير: (أنا البازي المُطِلُّ على نُمَيْرٍ * أُتِحْتُ من السماء لها انصِبابَا). و(الضَّرِم): الشديد الجُوع.
(أم الدُّهَيْم): بدل من (خطفة). وأمُّ الدُّهَيْم من أسماء الدواهي، وكذا (بنت الرَّقِم) بكسر القاف اسمٌ للداهية، كأنه قال: داهية تحمل داهية. لأنه لما كانت أم الدهيم أُمًّا وبنت الرَّقِم بنتًا جعل الأُوْلَىٰ حاملًا بالثانية، وهذا ظريف!
(أمرَّها): أحكمَ شدَّها، و(المِقدار): تقدير الله، قال تميمُ بن أُبَيِّ بنِ مُقبِل: (وإن يكن ذاك مِقْدَارًا أُصِبتُ به * فسِيرةُ الدهر تعْويجٌ وتقْويمُ)، و(الوَذَم): جمع وَذَمَةٍ، وهو سيرٌ بين آذان الدَّلْو يُشَدُّ به لئلَّا يسقُطَ الدلو. يريد: داهيةً مُرَّةً حَدْباء مُحكِمة العَضِّ.
يقول: أفلتَّ منها ونجَوتَ بعد أن أنشبْتَ قدمَك فيها، وأداة التعريف في (القدم) نائبة عن ضمير المخاطب، كأنه قال: بعد إنشابِكَ قَدَمَك فيها.
(مُنفلَتَ) مصدر منصوب مفعول مطلق. و(الجَلَم): المِقراض. وجَلَمُ ذاك الزمان ليس كجَلَمِ عصرِنا، لم يكن حادًّا مُتابَع الصنعة كما الآن، فرُبَّما وضع أحَدُهم حَدَّ الجلم على أظْفارِه فزلقَتْ. يصفه بالخسة. وهذا شبيهٌ بقول الآخر: (نجا بك لؤمُك منجى الذُّبابِ * حمتْه مقاذِيرُه أن يُّنالَا). وفي بعض نُسَخ الديوان: (من شَفْر الجَلَم)، والشَّفْر: الحَدُّ.
روى أيمَّةُ المُحدِّثين كلُّهم من حديث ابن عُمَر -رضي الله عنهما- أن النبيَّ ﷺ قال: «مَن كان حالفًا فليحلفْ بالله أو لِيَصْمُتْ»، والحديث مجمعٌ على صحَّته. وهو هنا أقسم بغير الله مِرارًا. وهذا مِن تجاوُزاتِ الشعراء التي يكثُر وقوعُهم فيها، والله يغفر لنا ولهم جميعًا.
(اللِّمَمْ): جمع لِمَّة، وهو ما ألمَّ بالمَنكِب من الشعر.
(رذايا) صفة موصوف محذوف، أي على نوقٍ رذايا، أي متعبة كليلة، و(الوَجا): شكوى البعير خُفَّه.
(بها) أي بالنُّوق. يعني أنها لما قرُبت من الحَرَم توقَّرت، بعد أن كان بها لَمَم، وهو الجُنون، من شوقها إلى البَيْت.
(الخَيف): مسجد مِنًى، قال قيس: (وداعٍ دعا إذ نحن بالخَيْف مِن مَّنًى * فهيَّج أحزانَ الفؤاد وما يدري). وجَرَيان الدمع: لكثرة بكاء الحُجَّاج وتضرُّعهم، وجرَيان الدم: لنحْرِهم ضحاياهم وهداياهم. وفي الحديث أن النبيَّ ﷺ قال: «أفضل الحَجِّ: العَجُّ والثَّجُّ»، فالعَجُّ: رفْع الصوت بالبكاء والدعاء والتضرُّع، والثَّجُّ: إسالة دماء الهدايا.
يعني يومَ النحر، يحلق فيه الحاجُّ شعَر رؤوسِهم الأسوَد في التحلُّل الأول. فكنى عن سواد الشعر بالغُراب، ولما جعل الشعَر غُرابًا جعلَ حلقَه إطارتَه.
المجالي: مَقاديم الرأس حيث يتبيَّن الصلَع، والقِمم عَنَىٰ بها أعالي الرأس.
(الرَّخَم): طائرٌ أبيض. يعني أن الحُجَّاج كانوا قبل يوم النحر سُودَ الرؤوس، فأمسَتْ رؤوسُهم سودًا كالغُراب، وغدَت كرؤوس الرَّخَم. وهذا يحتمل معنيَين: إما التصلُّع لأنهم حلقوا، ورؤوس الرخَم مجلوَّة كأنما أُمِرَّ عليها المُوسَىٰ، أو البياض، لأن الأصلَع إذا ضربت رأسَه الشمس برَقَ وابيَضَّ في العين. وكان ينبغي أن يقول: (ويغدُون رَخَمًا)، لكنَّه أسقط الألف على لغة ربيعة.
المُستجار: ما بين الركن اليمانيِّ والباب المسدود في ظهر الكعبة، والمُلتزَم -بفتح الزاي-: ما بين الحجَر الأسود وباب الكعبة. معطوفان على قوله: (بالبيت). يُقسِم بهما.
الصَّكُّ: الضرب، قال سبحانه:         ، والمُجِيل: الذي يُدِير قِداح المَيْسِر، والزَّلَم: القِدْح لا ريش عليه. شبَّه تدافُع الناس وتزاحُمَهم عند الكعبة بالقِداح في كف الياسر يضرب بعضَها ببعض. وفي الديوان المطبوع: (زَلَمًا بعد زَلَم) وهو ضعيف، ومخالفٌ لما في مخطوطات الديوان الثلاث التي طالعتُها.
(لأصدعنْ): جواب القسَم في البيت ٢٢، والنون نون التوكيد الخفيفة. يتهدَّدُه: لئن لم تقلعْ عمَّا أنت فيه لأهجُوَنَّك هجْوًا يصدعُ عرضك ثلمًا لا يلتئمْ. (وبانتْ وفي الصدر صَدْعٌ لها * كصَدْع الزُّجاجة ما يلتَئِمْ). وقولُه: (لا يُلّمُّ): من قولهم: لَمَّ الشيءَ: إذا جمعَه وأصلحه.
(عَطًّا) مفعول مطلق من غير لفظ عامله، فالعَطُّ التشقيق، قال الهُذَلي: (وطعْنٍ مثلِ تَعْطِيطِ الرِّهاطِ). و(القَرَارِي): بفتح القاف وبراءَين: الخَيَّاط. قال الأعشىٰ: (يَشُقُّ الأُمورَ ويجْتابُها * كشَقِّ القَراريِّ ثوبَ الرَّدَنْ). والأَدَم: اسم جمعٍ لأَدِيم، وهو الجلد. وكان في مطبوعة الديوان: (الفَزاري) بفاءٍ وزاي، وليس بشيءٍ، وفي ثلاث مخطوطات لديوان الشريف: (القَراري) كما أثبتُّ.
(دبيبَ) مفعول مطلق لفعل محذوف، أي: تَدِبُّ مذامِّي في عِرضِك دبيبَ نار القَين. و(القَين): الحدَّاد، وخصَّه لأنه كثير الاستخدام للنار، فتكون ناره أشدَّ ليُشكِّل بها الحديد.
(أقرَعُ): أضربُ. (شبا طعْن): حَدُّ طعن. يقول: سأضربك بِحَدٍّ ليس من حديد، بل من هجاء وقدْح.
يقال نهزَ بالدلو في البئر: ضربَ بها في الماء لتمتلئ. و(الماء جَمٌّ): كثير وافر. شَبَّه ضربَه لهذا المهجوِّ بضرْب الدلو في الماء والماءُ جَمٌّ.
هذا مثَلٌ سائر، يهدِّده ويسخر به. والأجَمُّ: من لا قرنَ له. وفي الحديث أن الله عز وجل يقتصُّ يوم القِيامة من الشاة القَرْناء للشاة الجَمَّاء.
(الأصل): أساس الشيء، و(القُدُمُ): جمع قَدُوم وهو الفأس. كأنه يقول: سآتي بنيانَ سُمعَتِك من القواعد بهجائي، فانظُرْ هل سيَثبُت؟!
قولُه: (عُرِّضتَ مني لبصيرٍ): يريد نفسه، أنه هو بصيرٌ بالقِيَم. ومثل هذا التعبير قول ابن أخت تأبَّط شرًّا: (ووراء الثأر مني ابنُ أُختٍ * مَصِعٌ عُقدَتُه ما تُحَلُّ)، وقول الشنفرى: (وشمَّر مني فارطٌ مُتمهِّلُ). وهذا يُسمَّى التجْريد، لتقوية الصفة. و(القِيَم): جمع قِيْمة، يريد أنه بصيرٌ بأقدار الرجال ومَنازِلهم.
(حامي الأُوَار): أي: حامٍ أوارُه. و(الوسْم): الكَيُّ.
الآسي: المعالج. والحفيظة: الحَمِيَّة والغضَب. و(أَلَمَّ الداءُ): نزل وتغشَّى. كأنه أراد: لا أسكُت على الضيم، بل أعالِجُ فَوَران الغضَب وثَوَران الحفيظة بأنْ أثأر. وجواب (إذا) قولُه: (عاجَلَ) في البيت بعده.
حسْمُ العِرْق: أن يقطَعَه ثم يكويَه لئلا يسيل. وهذا قريبٌ من قول ابنِ زَيْدُون: (فأنذرْ خليلك من ماهرٍ * بطِبِّ الجُنون إذا ما عَرَضْ / كفيلٌ بِبَطِّ خُراجٍ عسا * جريءٌ على شَقِّ عِرْقٍ نَبَضْ / يُبادرُ بالكَيِّ قبلَ الضِّماد * ويُسْعِطُ بالسَّمِّ لا بالحُضَضْ).
حثحثة الذئب: سرعة تحرُّكه في طلَب الأكْل، قال تأبَّط شرًّا: (كأنما حَثْحَثُوا حُصًّا قوادمُه * أو أُمَّ خِشْفٍ بذي شَثٍّ وطُبَّاقِ). والقَرَم: اشتِهاء اللحم.
وهْنًا: منصوب على الظرفية، أي: ليلًا، و(آنس): أحسَّ. ونسْم الرِّيح بسكون السين: الطرَف من الرائحة. و(نَسَمَ): تشمَّم فتَبِع.
تسكين ياء (رُمِيَ) ضرورة. والمُوقِظات: صفة لموصوف محذوف، أي: مَن رُمِيَ بالهُموم المُوقِظات فلن يذوق الغَمْض.
كم ضافَ رحلي: أي كم ضافَني. قال الأقرع بن معاذ: (ستأتيكِ إن شَطَّتْ بِيَ العامَ غَرْبَةٌ * برحلِيَ فتْلاءُ اليدَيْنِ خَرِيبُ)، أي: ستأتيكِ بي. وضافني: نزل بي. و(طارق الهَمِّ): الذي يأتي في الليل. والإضافة بيانية، أي: طارقٌ من هَمٍّ.
(أخطم دائي وأَزُمُّ): هما بمعنًى، خطَمتُ الشيء: جعلتُ عليه خِطامًا، وزمَمْتُه: جعلتُ عليه زِمامًا. يعني: بِتُّ على هذا الهَمِّ الذي طرقَني منك، أكتُم غيظَ صدْري وأتحلَّمُ وأتصبَّرُ.
(توجُّسَ) مفعول مطلق لفعل محذوف، أي: أتوجَّسُ توجُّسَ الليث. والتوجُّس: التخوُّف وتوقُّع المحذور، واعتمال الهواجس. و(استراب): أحسَّ بالرِّيبة.
الهدْر: تردُّد صوت البعير في حَنجَرته. و(الشِّقْشِقَة): جِلدة حمراء يُخرجِها البعير من فمه يَنفُخ فيها، و(العَوْد): الجمل المُسِنُّ، والقَطِمُ: الهائج المُستثار. وهم يشبُّهون فصاحة الفُصحاء بهدْر الشِّقْشِقة. يمدحُ نفسه وبلاغته.
(رُبَّ نبلٍ من كَلِمٍ): من لبيان النوع، كما تقول: خاتمٌ من حديد. و(رُبَّ) لتقليل النظير، يقول: فما زلتُ كذلك حتى رميتُك بسِهامٍ من القوافي نافِذة، وقلَّ ما تكون كذلك. (ويَنفُذ القول ما لا تَنفُذ الإِبَرُ!).
(القدْع) -بإهمال الدال-: الزجْر الشديد. يقول: لا تحسبَنْ أنك إن كنتَ ابنَ عمٍّ لن يَصلك الهجْوُ. وفي بعض نسخ الدِّيوان: (قد يُقذِع المرء)، والإقذاع: الإفحاش في الشتْم.
(الرَّجَم): القبر.
(اللِّهْزِمَتان): عظمان ناتئان عند اللَّحْيَيْن أسفلَ الأُذُنَين. و(عاقرًا): صفة لموصوف محذوف، أي: لِجامًا عاقرًا من هجْوي يُثْبِتُك مكانَك كأنَّك مقطوع الرِّجْل. واللُّجُم -بضمَّتين-: جمع لِجام.
والذِّفْرى: عظْمٌ ناتئٌ خلفَ الأذُن. وفاعل (ظَلَم) ضمير يعود على اللجام. أي لست بهجائي ظالمًا لك، إنما أنت الظالمُ نفسَك.
يقول: ذقْ عقبى ما على نفسِك جنَيت، فإن من وردَ الجهلَ لا بُدَّ صادرٌ عن الندم!
(السَّمُّ): مثلث السين.
(تشَمُّها): بفتح الشين، ويجوز الضم، و(المارِن): الأنف. وقولُه: (غيرِ أَشَمَّ): الأشمُّ: الشامخ، و(غير) بالجرِّ صفةٌ لمارن. وهذا تهكُّمٌ مضحك، يصفه بالذِّلَّة.
(جَرَمَ): بفتح الجيم والراء: أتى جُرمًا أي ذنبًا. يقول: إذا سمع هجْوي إياك أحدٌ خاف وتربَّد وجهُه من بشاعته وخوفِ أن يلحَقه مثلُه، هذا وليس هو المهجوَّ فكيف بك أنت!
أهاضيب الدِّيَم: ثجُّ المطَر المتتابع. تمثيلٌ لما سيصُبُّه عليه من الشتم!
المِخْداجَة: التي تُخدِج كثيرًا، أي تلقي بولَدِها لغير تمام. و(مُتَمٌّ): بضم الميم وفتح التاء على وزن اسم المفعول، أي لم يُتَمَّ خَلقُه. قال الأعشى: (وكانتْ كحُبْلَىٰ غَداةَ الصبا*حِ كانتْ وِلادتُها عن مُتَمْ). وصفه بقِلَّة العقل، حتى كأن أمَّه لم تأتِ به تامَّ الخِلقة أصلًا!

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات...
نُسِخ النَّصُّ!