السابقة

شرح رجز أبي العالية

شارك
نسْخ النص

قال أبو الفَتح عُثمانُ بنُ جِنِّي (ت٣٩٢هـ) في «الخَصائص»: رُوِّيْنَا لأبي العالِيَة -وهو الحَسَنُ بنُ مالكٍ أبو العاليةَ الشاميُّ، راويةٌ شاعرٌ عالمٌ بالأَدَب، ورَوَىٰ عن الأصمعيِّ كثيرًا-:

إِنِّي امْرُؤٌ أُصْفِي الْخَلِيلَ الْخُلَّهْ
أَمْنَحُهُ وُدِّي وَأَرْعَىٰ إِلَّهْ
وَأُبْغِضُ الزِّيَارَةَ الْمُمِلَّهْ
وَأَقْطَعُ الْمَهَامِهَ الْمُضِلَّهْ
لَيْسَتْ بِهَا لِرَكْبِهَا تَعِلَّهْ
إِلَّا نَجَاءَ النَّاجِيَاتِ الْجِلَّهْ
عَلَىٰ هِبِلٍّ أَوْ عَلَىٰ هِبِلَّهْ
ذَاتِ هِبَابٍ، جَسْرَةٍ، شِمِلَّهْ
نَاجِيَةٍ فِي الْخَرْقِ مُشْمَعِلَّهْ
تَنْسَلُّ بَعْدَ الْعُقَبِ الْمُكِلَّهْ
مِثْلَ انْسِلَالِ الْعَضْبِ مِنْ ذِي الْخِلَّهْ
وَكَاشِحٍ رَقَيْتُ مِنْهُ صِلَّهْ
بِالصَّفْحِ عَنْ هَفْوَتِهِ وَالزَّلَّهْ
حَتَّىٰ اسْتَلَلْتُ ضِغْنَهُ وَغِلَّهْ
وَطَامِحٍ ذِيْ نَخْوَةٍ مُدِلَّهْ
حَمَلْتُهُ عَلَىٰ شَبَاةِ أَلَّهْ
ولم أَمَلِّ الشَّرَّ حَتَّىٰ مَلَّهْ
وَشَنِجِ الرَّاحَةِ مُقْفَعِلَّهْ
مَا إِنْ تَبِضُّ كَفُّهُ بِبِلَّهْ!
أَفَادَ دَثْرًا بَعْدَ طُوْلِ خَلَّهْ
وَصَارَ رَبَّ إِبِلٍ وَثَلَّهْ
لَمَّا ذَمَمْتُ دِقَّهُ وَجِلَّهْ
تَرَكْتُهُ تَرْكَ ظُبَيٍّ ظِلَّهْ
وَمَعْشَرٍ صِيدٍ ذَوِيْ تَجِلَّهْ
تَرَىٰ عَلَيْهِمْ لِلنَّدَىٰ أَدِلَّهْ
سَمَاؤُهُمْ بِالْخَيْرِ مُسْتَهِلَّهْ
أَوْفَىٰ بِهِمْ دَهْرٌ عَلَىٰ مَزِلَّهْ
ثُمَّ تَلَقَّاهُمْ بِمُصْمَئِلَّهْ
فَبُدِّلَتْ كَثْرَتُهُمْ بِقِلَّهْ
وَأُعْقِبَتْ عِزَّتُهُمْ بِذِلَّهْ!
وَغَادَرُونِي بَعْدَهُمْ ذَا غُلَّهْ
أَبْكِيْهِمُ بِعَبْرَةٍ مُنْهَلَّهْ
ثُمَّ صَبَرْتُ وَاعْتَصَمْتُ بِاللَّـهْ
نَفْسًا بِحَمْلِ الْعِبْءِ مُسْتَقِلَّهْ
وَدُوَلُ الْأَيَّامِ مُضْمَحِلَّهْ
يَشْعَبُهَا مَا يَشْعَبُ الْجِبِلَّهْ
تَتَابُعُ الْأَيَّامِ وَالْأَهِلَّهْ

شرح الأبيات

يقول: إني إذا خاللتُ خليلًا أَصْفَيْتُهُ المودَّة، ورَعيتُ عَهْدَهُ وحُرْمَتَهُ.
(الإلُّ): العهد والذمَّة والحُرمة، ومنه قوله سبحانه:             .
(المَهَامِه): جمعُ مَهْمَهٍ، وهي الأرض الخالية المُقفِرة الواسعة.
وقوله: (ليستْ بها لركبها تعلَّهْ * إلا نجاءَ الناجيات)، يقول: ليس يُعلِّل مَن يركبُ في هذا المهمهِ ويُسلِّيه إلا إسراعُ الإبل السريعة وحثُّها السيرَ أملًا في أن يقطعَ هذا المهمهَ ويجتازَهُ.
(الجِلَّة) من الإبل: خيارُها.
(الهِبِلُّ) و(الهِبِلَّة): العظيمُ والعظيمة منها.
(الهِبَاب): النَّشاط. و(الجَسْرَة): الماضيَة. و(الشِّمِلَّة): السريعة.
(النَّاجِيَة): السريعة كذلك. و(الخَرْق): المتَّسِع من الأرض، كأنه انخرَق فاتَّسَع. و(المُشْمَعِلَّة): الجادَّة التي لا تَلْوي على شيء.
(الانسِلال) هنا: سرعة المُضِيّ. و(العُقَب): جمع عُقْبة، وهي النَّوبة من السير. و(المُكِلَّة): المُتْعِبَة المُضْنِية.
(العَضْب): السيف الماضي. و(ذو الخِلَّة): الغِمْد الذي تُجعَل له بطانةٌ. يقول: بعدَ نُوَب السير المُتعِبة التي تستهلك قُوَّةَ الراحلة، تراها تنسَلُّ كانسِلال السيف! فكيف ظنُّك بها قبلَ ذلك؟
(الكاشِح): العدوُّ المُبْغِض. و(الصِّلُّ): الحيَّة الخبيثة التي لا تنفعُ فيها رُقية. فيقول: إنه رَقَىٰ صِلَّ بُغْضِ هذا الكاشِح، رقاه بالعَفْو والتَّكَرُّم، حتَّى استلَّ ضِغنَه وحِقدَه.
(طَامِح): مستكبِر مختالٍ. و(الإِدْلال): الاعتداد بالنفْس. وجعلَ النخوَة هي المُدِلَّة لأنها هيَ تحمِلُه على الإدلال والاعتداد بنفْسه.
(الشَّباة): الحدُّ والطَّرَف. و(الأَلَّة) —بفتح الهمزة—: الحَرْبة. ومنه قول حِماس بن قَيس: (إن تُقْبِلُوا اليومَ فما بي عِلَّهْ * هذا سِلاحٌ كاملٌ وأَلَّهْ * وذو غِرارَيْن سريعُ السَّلَّهْ). يقول: ورُبَّ مُتَعَنْجِهٍ متكبِّرٍ طامَنتُ عني تكبُّرَه واعْتِدادَه وحملتُه على حَدِّ حَرْبة! كقول رؤبة: (وطَامحِ النَّخْوَةِ مُسْتَكِتِّ * طَأطَأَ مِن شيطانِهِ المُعَتِّي * صَكِّي عَرانِينَ العِدى وصَتِّي * حتى يرى البيِّنَ كالأَرَتِّ * يعتزُّ صِدْقِي صِدْقَهُ، وبَهْتي!). وقولِه أيضًا: (وطامِحٍ مِن نَخْوَةِ التَّأَبُّهِ * كَعْكَعْتُهُ بالرَّجْم والتَّنَجُّهِ).
وقولُه: (ولم أمَلِّ الشَّرَّ): بكسر اللام المشددة، وهذه اللغة العالية في آخر الفعل المُضعَّف إذا وَلِيَه ساكنٌ: أنْ يُكسَر، وكذا هو في قول جرير: (فغُضِّ الطرفَ). بل نصَّ بعضُ اللغويين أنه لا يجوز غيرُها.
(الشَّنَجُ): التقبُّض. ومنه قول زياد الأعجم: (مَلْكٌ أَغَرُّ مُتَوَّجٌ ذو نائلٍ * للمُعتفين يَمِينُهُ لم تَشْنَجِ). وقوله: (مُقْفَعِلَّة): قال محقق الخصائص: «و(مُقْفَعِلَّة) كأنَّه حالٌ مِن الرَّاحة، أي: حالَ كونِها مُقْفَعِلَّةً، وقد يكونُ وصفَ (شَنِج الراحة)، فالأصل: (مُقْفَعِلَّهُ) بهاء الضمير في آخره، وهو يعود على الراحة على تأويلِها بمُذَكَّرٍ كالعُضْو». قلتُ: ويجوزُ أنَّ (مقفعلة) صفةُ موصوفٍ محذوفٍ معلومٍ من السِّياق، أي: ورُبَّ شَنِجِ الراحة، راحتُه مُقْفَعِلَّة.
والاقْفِعلال: تشنُّج الأَصَابع والكفِّ من بَرْد أَو دَاء. وهُنا: من البخل. قال الفرزدق: (نَعَاء ابنَ ليلىٰ لِلسَّماحة والندىٰ * وأضيافِ ليلٍ مُقْفَعِلِّي الأنامِل). و(البَضِيض): السَّيَلان القليل، مثل الرشح. و(البِلَّة) -بكسر الباء-: أقلُّ شيءٍ من البَلَل.
(الدَّثْر): الكثير من المال، ومنه الحديث: (ذهب أهل الدُّثور بالأُجور). و(الخَلَّة) -بفتح الخاء-: الفقر.
وقولُه: (ذَمَمْتُ دِقَّه وجِلَّه): أي: كلَّ أمره، صغيرَه وكبيرَه.
وقوله: (تركتُه تَرْكَ ظُبَيٍّ ظِلَّهْ): هذا مَثَلٌ، يُضرَب لمن يَنفِرُ عن الشيء فلا يعود إليه أبدًا.
(الصِّيْد) -بكسر الصاد-: جمع أَصْيَد، وهو الذي لا يستطيع الالتفات لداءٍ في عُنُقِه. والمُلوك يُوصَفون بالصَّيَد من الأُبَّهَة والاختيال، فشبَّهَهم بذلك. و(التَّجِلَّة): الجَلال والهَيبة.
وقوله: (ترى عليهم للندى أدِلَّة): يقول: ترى على مظهَرهم مخايل النَّدى وأَمارات الكرَم والسَّخاء.
(المَزِلَّة) -بكسر الزاي وتُفتَح-: مكان الزلَل.
(المُصْمَئِلَّة): الداهية المُهلِكة.
(الغُلَّة): حَرارة الجوف، يعني من حُزنه على فِراقهم.
وقولُه: (بِاللَّـهْ): بإسقاط الألف بعد اللام، لغةٌ من لغات العرب في نطق الاسم الأحسَن، اسمِ الله عز وجل. ومنه قول بعض العرب: (أقبلَ سَيْلٌ جاءَ من عِنْد اللَّـهْ * يَحْرِدُ حَرْدَ الجَنَّةِ الْمُغِلَّهْ). قلتُ: وهو في كلام بعض العامة إلى اليوم.
وقوله: (نَفْسًا): بالنصب مفعولٌ لِـ(صَبَرتُ)، تقول: صبرتُ نفْسي على كذا.
(الدُّوَل): تقلُّب أحوال الناس.
(يَشْعَبُها): يُهلِكها ويأتي عليها. و(الجِبِلَّة): الخَلْق والناس، ومنه قول الله سبحانه:         .
يقول: إن أحوال الناس تتقلَّب ويأتي عليها ما يأتي على الناس نفسِهم، فيأتي عليها الليلُ والنهار وتتغيَّر.

والله أعلى وأعلم وأحكم. وصلى الله على نبيِّنا محمَّد.

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات...
نُسِخ النَّصُّ!